الأنبياء أولو العزم

سلسلة الدروس الثقافية

 


 

المقدمة
الدرس الأول : النبوة والهداية الإلهية
الدرس الثاني : أولو العزم
الدرس الثالث : قصة نوح (ع)
الدرس الرابع : نوح (ع) والدعوة إلى الله
الدرس الخامس : إبراهيم (ع) أول الموحدين
الدرس السادس : إبراهيم (ع) والإختيار الإلهي
الدرس السابع : موسى (ع) كليم الله
الدرس الثامن : موسى (ع) وبنو إسرائيل
الدرس التاسع : عيسى بن مريم (ع)
الدرس العاشر : عيسى (ع) والغلو
الدرس الحادي عشر : محمد (ص) نبي الرحمة
الدرس الثاني عشر : النبي محمد (ص) والنظام الإسلامي





المقدمة

  بسم الله الرحمن الرحيم‏
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين‏
 

وبعد،
 يقول الله تعالى في محكم قرآنه:  ( قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (1)

 إن سيرة أولي العزم من الأنبياء عليهم السلام ليست مجرد قصص يستمتع بها القارئ، وإنما تستبطن دروساً نحتاج  إليها في كل مكان وزمان.

 فإن حياة الأنبياء عليهم السلام وسيرتهم التي امتدت على مساحة التاريخ، معالجة النفس الإنسانية، للوصول بها إلى الكمال بحيث تسير وفق الأوامر الإلهية التي تضمن السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة.

 من هنا كانت هذه الإطلالة على مفاهيم نستفيدها من سيرة أولي العزم من الأنبياء، مستخلصين من مسيرتهم العبر والدروس التي تعنى  بالأخلاق الإنسانية، ومعنى العبودية والإيمان الحقيقي بالله تعالى، وفقنا الله تعالى للسير في هديهم، إنه سميع مجيب.


  وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
 

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية 






 

الدرس الأول : النبوة والهداية الإلهية

لماذا كانت النبوة؟

 النبي هو الإنسان المخبر عن الله تعالى بغير واسطة أحد من البشر، ولذا كانت النبوة سفارة بين الله وبين عباده. والحكمة الإلهية اقتضت إرسال الأنبياء لما في ذلك من مصلحة العباد وهذه المصلحة التي اقتضت النبوة وهي الهدف والغاية التي كانت لأجلها  متعددة:

الأولى:

 قال تعالى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (2) تتحدث الآية الكريمة عن حاجة الناس إلى العدل وهو لا يتم إلا عبر وجود القانون الذي يحفظ حقوق الناس ويضع الحدود بينهم فلا يعتدي بعضهم على بعض، ذلك لأن الطبيعة الإنسانية  تقتضي أن لا يعيش الإنسان وحده بل أن يندمج في حياة اجتماعية مدنية مع أمثاله من البشر، ومن الطبيعي أن تتعارض مصالح الأفراد فيما بينهم، الأمر الذي يؤدي إلى اختلافهم فيما بينهم وتنازعهم على شتى أمورهم، ولذا كان القانون من الضرورات التي يفرضها نشوء كل مجتمع يسعى للوصول إلى السعادة، ولكن هذا القانون لا بد وأن يتم وضعه بالنحو الذي يرفع فيه النزاع بين أفراد المجتمع عبر إيصال كل ذي حق إلى حقه، وهذا أمر لا يكفله أي قانون بل القانون الذي يكون موضوعاً من العارف بحقيقة هذا الإنسان، وحقيقة ما يحتاج إليه في حياته، وأن لا يكون في هذا القانون مصلحةٌ لهذا المقنّن، ومن هنا كان القانون الإلهي هو أفضل القوانين التي تحكم المجتمعات البشرية فالله عز وجل هو العالم بحقيقة هذا الإنسان .

( أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير ) (3).

 وهو الغني عن كل شيء وعن كل حاجة (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (4).

 والأنبياء هم رسل الله إلى الناس وهم واسطة الله عز وجل إلى الخلق لإبلاغهم بهذا القانون الإلهي.

الثانية :

 قال تعالى : ( َمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (5)

تتحدث الآية الكريمة عن كون تعليم الناس هو من الغايات التي لأجلها كان إرسال الرسل وذلك لأن الإنسان لا يعلم من نفسه إلا بعض ما فيه مصالح نفسه ويخفى عليه الكثير، ولذا كان الإنسان دائما في حالة اكتشاف لما هو مجهول لديه ووظيفة الرسل تعليم هذا الإنسان ما فيه صلاح نفسه سواء في هذه الدار الدنيا أو في الدار الآخرة، لأن حاجات الإنسان لا تنحصر بهذه الدنيا المادية بل لا بد وأن يعمل على بناء آخرته في دنياه هذه. وبهذه التعاليم تتحقق هداية الإنسان إلى كماله المنشود.

الثالثة:

 قال تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) (6) فالتزكية والتربية الصالحة هي من الغايات الأخرى التي كان لأجلها إرسال الأنبياء والرسل. والمراد من التزكية تطهير النفس من الرذائل، ومن ثمَّ تلقينها  عادات الخير والإحسان.

عدد أنبياء الله عز وجل:

لم يقص الله عز وجل في القرآن الكريم قصص أنبيائه جميعاً قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) (7)

والأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم بأسمائهم هم ستة وعشرون نبياً وهم: آدم، ونوح، وإدريس، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، واليسع، وذو الكفل، والياس، ويونس، واسحق، ويعقوب، ويوسف، وشعيب، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وأيوب، وزكريا، ويحيى، وإسماعيل، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم أجمعين.

 وقد تعرض القرآن الكريم لبعض الأنبياء دون أن يذكر اسمهم قال تعالى:

(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) (8)، وقال تعالى: (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) (9).

 وأما عدد الأنبياء فقد وردت الروايات بأن عددهم هو مئة وأربعة وعشرون ألفاً ففي رواية أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله كم النبيون؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي (10).

 وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، عن النبي(ص)قال: خلق الله عز وجل مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي وأنا أكرمهم على الله ولا فخر، وخلق الله عز وجل مائة ألف وصي وأربعة وعشرين ألف وصي، فعليٌّ أكرمهم على الله وأفضلهم (11).

 قال الشيخ الصدوق(قده): اعتقادنا في عددهم أنهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، ومائة ألف وصي وأربعة وعشرون ألف وصي، لكل نبي منهم وصي أوصى إليه بأمر الله تعالى (12).

ضرورة الإيمان بالأنبياء جميعاً

لا بد للمسلم من الإيمان بنبوة جميع الأنبياء(ع) وأنهم على الحق وكذلك الإيمان بطهارتهم وعصمتهم وقد ذمّ الله عز وجل من يؤمن ببعض الأنبياء دون بعض قال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) (13) تبين لنا الآية أن ضرورة الإيمان بجميع الأنبياء إنما هي من جهة أن دعوة الأنبياء كانت واحدة وهي الدعوة إلى التوحيد فكأنَّ المكذّب لأحدهم مكذِّبٌ للجميع (14)

ومن جهة أخرى فإن إنكار نبوة الأنبياء هو إنكار لنبوة النبي محمد(ص) لأنه هو الذي أخبر عنهم وعن صدقهم فإنكار ذلك يرجع إلى تكذيب النبي(ص).

 وقد ذكر ذلك القرآن الكريم حيث يقول: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (15).

درجات الأنبياء(ع)

تتحدث آيات القرآن الكريم عن اختلاف في درجات الأنبياء(ع) ومن هذه الآيات قوله تعالى:(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (16).

 وقال تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) (17).

 يتضح جلياً من هذه الآية أن الأنبياء ـ وإن كانوا من حيث النبوة والرسالة متماثلين - هم من حيث المركز والمقام ليسوا متساوين لاختلاف مهماتهم، وكذلك مقدار تضحياتهم كانت مختلفة أيضا (18).

بم يتفاضل الأنبياء(ع)؟

في مقام الحديث عن تفاضل الأنبياء(ع) فيما بينهم فمن الأمور التي يتفاضلون فيما بينهم على أساسها:

1 ـ روح القدس:

 تبين لنا الروايات الشريفة أن روح القدس ملك عظيم جداً يؤيد الله تعالى به الأنبياء والرسل والمؤمنين، ولكن كل واحد منهم مؤيد بهذه القوة بحسب منزلته، وبحسب قربه من الله تعالى، ففي الرواية عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله الصادق(ع) عن قول الله عز وجل:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) قال:"خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مع الأئمة وهو من الملكوت" (19)

 فروح القدس إذا هو القوة الغيبية التي يمد بها الله تعالى أولياءه، وهذه القوة الغيبية موجودة بشكل أضعف في جميع المؤمنين على اختلاف درجة إيمانهم، وهذا الإمداد الإلهي هو الذي يعين الإنسان في أداء الطاعات وتحمل الصعاب، ويقيه من السقوط في الذنوب والزلات، من هنا ورد عن رسول الله(ص)قوله لحسان:"لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنا" وقول بعض أئمة أهل البيت(ع) لشاعر قرأ أبياتاً ملتزمة: "إنما نفث روح القدس على لسانك" (20)

2 ـ التفاضل في الخصائص:

 فبعض الأنبياء يختصه الله تعالى بخصائص لم يختص بها رسولاً آخر كاختصاص موسى(ص)بالتكليم فسمي كليم الله، بينما كان كثير من الأنبياء يكلمه الله من خلال الوحي، أو المنام، وإلى هذا المعنى أشارت روايات عديدة منها ما روي عن الإمام الصادق(ع): الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبي منبأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبي يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة ..." (21).

3 ـ التفاضل في كونهم أصحاب شرائع:

 فأولو العزم هم من الرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى كل البشر وليس إلى أمة محددة بعينها، أفضل من الأنبياء الذين أرسلوا إلى أمة خاصة، وهم أصحاب الشرائع الأساسية،وغيرهم من الأنبياء تابع لشرائعهم. ففي الرواية عن الإمام الرضا(ع):" إنما سمي أولو العزم أولي العزم لأنهم كانوا أصحاب الشرائع والعزائم، وذلك أن كل نبي بعد نوح(ع) كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليل، وكل نبي كان في أيام إبراهيم وبعده كان على شريعة إبراهيم ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن موسى، وكل نبي كان في زمن موسى وبعده كان على شريعة موسى ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى أيام عيسى(ع)، وكل نبي كان في أيام عيسىد وبعده كان على منهاج عيسى(ع) وشريعته وتابعاً لكتابه إلى زمن نبينا محمد(ص)، فهؤلاء الخمسة أولو العزم، فهم أفضل الأنبياء والرسل(ع)" (22).

4 ـ التفاضل في الإمامة:

 فالإمامة مقام من مقامات القرب من الله تعالى، فقد يكون بعض الإنبياء نبياً ولا يكون إماماً ويشهد على هذا المعنى ما ورد في قصة إبراهيمد، والتي وردت في القرآن الكريم حيث يقول الله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (23).

 وكان هذا الأمر بعد امتحان النبي إبراهيم(ع) بقضية ذبح ولده إسماعيل(ع)، فحينها كان نبياً ولم يكن إماماً.

 وفي تتمة الرواية عن الإمام الصادق(ع): "... والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل اولي العزم، وقد كان إبراهيم(ع) نبيَّاً وليس بإمام حتى قال الله:(إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً...) (24).

خلاصة الدرس

 ـ النبوة سفارة إلهية بين الله عز وجل وعباده والهدف من النبوة إقامة العدل بين الناس عبر وضع القانون الإلهي لهم، وتعليم الناس ما فيه صلاحهم في دنياهم وآخرتهم وتربيتهم على الأعمال الصالحة.

 ـ لم يذكر القران الكريم جميع أنبياء الله عز وجل كما لم يذكر عددهم ولكن ورد في الروايات أنهم مئة وأربع وعشرون ألفاً.

 ـ لا بد للمسلم من الإيمان بنبوة جميع الأنبياء ممن سبق النبي محمداً(ص) .

ـ تتفاوت درجات الأنبياء في الفضل، إما بشدة تأييدهم بالروح القدس، أو بخصائص النبوة في كل واحدٍ منهم، أو بعموم رسالاتهم، أو من خلال مقام الإمامة وعدمه.

أسئلة حول الدرس

1. اشرح بالتفصيل لما كان أمر القانون الذي به يكون العدل بيد الله عز وجل؟

2. لماذا كان الإيمان بنبوة الأنبياء ضروريا على المسلم وهل ورد ذلك في القرآن الكريم؟

3. ما سبب تفاوت درجات الأنبياء؟

4. ما المقصود من روح القدس؟

للحفظ

( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ *  فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (25).

للمطالعة

 كان خمسة من الأنبياء سريانيين آدم وشيث وإدريس ونوح وإبراهيم (ع) وخمسة عبرانيون: إسحاق ويعقوب وموسى وداود وعيسى(ع)، ومن العرب هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد(ص)، وخمسة بعثوا في زمن واحد: إبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويعقوب ولوط(ع)، بعث الله إبراهيم وإسحاق(ع) إلى الأرض المقدسة، وبعث يعقوب(ع) إلى أرض مصر وإسماعيل(ع) إلى أرض جرهم وكانت جرهم حول الكعبة سكنت بعد العماليق وسموا عماليق لأن أباهم كان عملاق بن لود بن سام بن نوح(ع)، وبعث لوط إلى أربع مدائن سدوم وعامور وصنعا وداروما، وثلاثة من الأنبياء ملوك: يوسف وداود وسليمان(ع)، وملك الدنيا مؤمنان وكافران، فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان(ع)، وأما الكافران فنمرود بن كوش بن كنعان وبخت نصر.

الاختصاص ـ الشيخ المفيد ـ ص 264 ـ 265 .

 






 

الدرس الثاني : أولو العزم

قال تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) (26).

ما معنى أولي العزم؟

 المراد من أولي العزم معان ثلاث مجتمعة:

 المعنى الأول: أن العزم هو الثبات على العهد المأخوذ منهم وعدم نسيانه فقد قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (27).

 والميثاق المأخوذ من الأنبياء(ع) هو ميثاق خاص بهم، لأن الآية قالت ميثاقهم وهذا الميثاق هو تأدية الرسالة والتبليغ وقيادة الناس في كل الأبعاد والمجالات.

 المعنى الثاني: إنهم أصحاب الشريعة والكتاب، والكتب وان لم تختص بالأنبياء(ع) الخمسة من أولي العزم ولكن الشرائع اختصت بهم فلا شريعة تتضمن أحكاماً وقوانين إلا ما جاء به هؤلاء الأنبياء وحول هذا الأمر وردت الآيات والروايات أما الآيات فسوف يأتي بيانها وأما الروايات فقد ورد في رواية عن سماعة بن مهران قال قلت لأبي عبد الله الصادق(ع): "كيف صاروا أولي العزم؟ قال:لأن نوحاً بعث بكتاب وشريعة، وكل من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه، حتى جاء إبراهيم(ع) بالصحف وبعزيمة ترك كتاب نوح لا كفرا به، فكل نبي جاء بعد إبراهيم(ع)أخذ بشريعة إبراهيم ومنهاجه وبالصحف حتى جاء موسى بالتوراة وشريعته ومنهاجه، وبعزيمة ترك الصحف وكل نبي جاء بعد موسى(ع) أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه حتى جاء المسيح(ع) بالإنجيل، وبعزيمة ترك شريعة موسى ومنهاجه فكل نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه، حتى جاء محمدا فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه فحلاله حلال إلى  يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فهؤلاء أولو العزم من الرسل(ع)" (28).

والعزم يطلق على إرادة الفعل والقطع عليه والصبر والاحتمال والثبات والجد، وأولو العزم من الرسل هم الذين كانوا من  أصحاب الشرائع واجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا لكمال قوتهم في دين الله على إقامتها وإنفاذها وتبليغها أو تحمل المشاق والمجاهدة والقتال والأذى من سفهاء الأمة الطاعنين فيها.

 المعنى الثالث: إن دعوتهم تشمل أهل الأرض جميعاً فلم يخص الله قوماً بدعوتهم وقد ورد في الرواية عن علي بن الحسين(ع) إن أصحابه سألوه عن معنى أولي العزم فقال: "بعثوا إلى شرق الأرض وغربها إنسها وجنها" (29).

هذه المعاني الثلاث المذكورة هي المشهورة، وقد ورد في بعض الروايات تفسير أولي العزم بمعان أخرى منها:

·        ما ورد عن الإمام علي بن محمد الهادي(ع): "... ثم أدب الله نبيه(ص)بالصبر فقال (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم(ع) ومحمد(ص)، ومعنى أولي العزم أنهم سبقوا الأنبياء إلى الإقرار بالله والإقرار بكل نبي كان قبلهم وبعدهم وعزموا على الصبر مع التكذيب والأذى" (30).

منها ما ورد عن جابر عن الإمام الصادق(ع): وإنما سمي أولوا العزم أولي العزم لأنه عهد إليهم في محمد والأوصياء من بعده والمهدي وسيرته وأجمع عزمهم على أن ذلك كذلك والإقرار به (31).

 وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق(ع): "ثم أخذ الميثاق على النبيين فقال ألست بربكم ثم قال وإن هذا محمد رسول الله وإن هذا علي أمير المؤمنين قالوا بلى فثبتت لهم النبوة، وأخذ الميثاق على أولي العزم أنني ربكم ومحمد رسولي وعلي أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزان علمي(ع) وان المهدي أنتصر به لديني وأظهر به دولتي وأنتقم به من أعدائي وأعبد به طوعاً وكرهاً قالوا أقررنا ياربُّ وشهدنا" (32).

عدد أولي العزم

 أولي العزم خمسة من الرسل وهم نوح، إبراهيم، موسى، عيسى(ع) ومحمد(ص). وبهذا وردت الروايات عن أهل البيت(ع) فعن أبي جعفر الباقر(ع) قال: أولو العزم من الرسل خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين (33).

أولي العزم في القرآن

لقد ذكر القران الكريم أولي العزم وخصهم بأن ذكرهم معاً دون غيرهم من الأنبياء(ع).

 قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) (34).

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (35).

خصائصُ الأنبياء:

 يصف أمير المؤمنين(ع) الأنبياء في نهج البلاغة قائلاً:

 "...كانوا قوماً مستضعفين ، قد اختبرهم الله بالمخمصة، وابتلاهم بالمجهدة، وامتحنهم بالمخاوف، ومخضهم بالمكاره...ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون عليهما السلام على فرعون وعليهما مدارع الصوف، وبأيديهما العصي...ولو أراد الله سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ، ومعادن العقيان، ومغارس الجنان... لفعل، ولو فعل لسقط البلاء، وبطل الجزاء...ولكن الله سبحانه جعل رسله اولي قوة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى ..."(36).

 إن الأنبياء(ع) هم من أفضل البشر قد اختارهم الله تعالى من بين سائر الخلق واصطفاهم لإبلاغ رسالته، ومعنى الاصطفاء أنه أختارهم من بين الجميع، لميزة فيهم عن سواهم.

 فما هي الصفات التي اختص بها الأنبياء والرسل على رسولنا وآله وعليهم السلام؟

من أهم الصفات التي حبا الله تعالى بها الأنبياء(ع):

أ ـ طهارة الآباء:

 فإن الأنبياء قد انتقلت أنوارهم في الأصلاب المؤمنة العفيفة والأرحام المطهرة النظيفة، فلا يمكن لنبي أن يكون ولداً من سفاح والعياذ بالله، وفي الرواية عن الرسول الأكرم(ص): "نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية" (37).

ب ـ أشد الناس بلاءً:

 ففي الرواية عن الإمام الصادق(ع):"إن أشد الناس بلاء الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل"((38)).

ج ـ السخاء:

فالأنبياء هم أهل السخاء والكرم،  ففي الرواية عن الإمام الكاظم(ع): "ما بعث الله عز وجل نبياً ولا وصياً إلا سخياً" (39).

 بل لا يمكن للبخيل أن يكون نبياً لأن البخل كما في الرواية عن أمير المؤمنين(ع): "جامع لمساوئ العيوب، وهو زمام يقاد به إلى كل سوء" (40) ، فإذا كان البخل بهذا المستوى من المجافاة للإيمان فكيف للنبي أن يكون بخيلاً.

خصائصُ أولي العزم:

 أما أنبياء أولي العزم فإضافة لهذه الصفات فقد حباهم الله تعالى بفضيلتين إضافيتين عن سائر الأنبياء والرسل(ع)، وهما:

1 ـ هم سادة النبيين والمرسلين

 فأولو العزم هم أفضل الأنبياء جميعاً وهم سادات الأنبياء(ع) فقد ورد عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله الصادق(ع) يقول:"سادة النبيين والمرسلين خمسة وهم أولو العزم من الرسل وعليهم دارت الرحى:نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعلى جميع الأنبياء".

2 ـ العلم

فقد اختص أنبياء أولي العزم بأنهم أكثر علما من سائر الأنبياء(ع)، وورد عن الصادق(ع): "إن الله خلق أولوا العزم من الرسل وفضلهم بالعلم" (41) .

خلاصة الدرس

ـ أولي العزم هم جماعة خاصة من الرسل ومعنى كونهم أولي العزم هو ثباتهم على العهد والميثاق الذي عاهدوا به ربهم وهو يعني أيضاً كونهم أصحاب الشرائع والكتب فلا شريعة إلا لدى أولي العزم ومن جاء بعدهم كان على شريعتهم وهو يعني أيضا عالمية دعوتهم وشمولها لأهل الأرض جميعاً.

 ـ أولي العزم خمسة من الرسل: نوح، إبراهيم، موسى، عيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين.

 ـ أولي العزم هم أفضل الأنبياء واعلم الأنبياء(ع).

أسئلة حول الدرس

1. ما هو الميثاق الذي أخذه الله عز وجل من الأنبياء(ع)؟

2. ما المراد من كون أولي العزم أصحاب شريعة؟

3. كم هو عدد أولي العزم ومن هم؟

4. ما هي الصفات التي اختص بها أولو العزم عن سائر الرسل والأنبياء(ع)؟

للحفظ

 (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) (42).

للمطالعة

 عن أبي الصلت الهروي قال: لما جمع المأمون لعلي بن موسى الرضا(ع) أهل المقالات من أهل الاسلام والديانات واليهود والنصارى والمجوس والصابئة وسائر أهل المقالات، فلم يقم أحد إلا وقد ألزمته حجته كأنه ألقم حجراً، فقام إليه علي بن الجهم فقال: يا ابن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال: بلى، قال: فما تقول في قول الله عز وجل (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)؟ وقوله عز وجل:(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْه)، وقوله في يوسف (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا)، وقوله في داود (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاه)، وقوله في نبيه محمد (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ). فقال مولانا الرضا(ع):ويحك يا علي اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تأول كتاب الله برأيك فان الله عز وجل يقول(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)، واما قوله عز وجل فعصى آدم ربه فغوى فان الله عز وجل خلق آدم حجة في ارضه وخليفة في بلاده ولم يخلقه للجنة وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتم مقادير امر الله عز وجل فلما اهبط إلى الأرض جعل حجة وخليفة عصم بقوله عز وجل(إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين)واما قوله عز وجل (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْه) انما ظن أن الله عز وجل لا يضيق عليه الا تسمع قول الله عز وجل (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَه)اي ضيق عليه ولو ظن أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر، واما قوله عز وجل في يوسف (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا)فإنها همت بالمعصية وهم يوسف بقتلها ان أجبرته لعظم ما داخله فصرف الله عنه قتلها والفاحشة وهو قوله كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء يعني الزنا وأما داود... إنما ظن أن الله لم يخلق خلقا هو اعلم منه فبعث الله إليه الملكين فتسوروا المحراب فقالا خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها وعزني في الخطاب، فعجل داود على المدعي عليه فقال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ولم يسأل المدعي البينة على ذلك ولم يقبل على المدعى عليه فيقول ما يقول، فقال هذه خطيئة حكمه لا ما ذهبتم إليه الا تسمع قول الله عز وجل (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَق)... وأما محمد وقول الله عز وجل(وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) فإن الله عز وجل عرف نبيها أزواجه في دار الدنيا وأسماء أزواجه في الآخرة وانهن أمهات المؤمنين واحد من سمى له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة فأخفىا  اسمها في نفسه ولم يبدله لكيلا يقول أحد من المنافقين انه قال في امرأة في بيت رجل أنها أحد أزواجه من أمهات المؤمنين وخشي قول المنافقين قال الله عز وجل (وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ)وان الله عز وجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حواء من آدم(ع) وزينب من رسول الله(ص) وفاطمة من علي(ع). قال فبكى علي بن الجهم وقال يا ابن رسول الله أنا تائب إلى الله عز وجل أن انطق في أنبيائه بعد يومي هذا إلا بما ذكرته.

 قصص الأنبياء(ع) ـ الجزائري ـ ص 13 ـ 15






 

الدرس الثالث : قصة نوع (ع)

نوح(ع) أول أولي العزم سادة الأنبياء، أرسله الله إلى عامة البشر بكتاب وشريعة فكتابه أول الكتب السماوية المشتملة على شرائع الله، وشريعته أول الشرائع الإلهية. وهو(ع) الأب الثاني للنسل الحاضر من الإنسان إليه ينتهي أنسابهم والجميع ذريته لقوله تعالى: ( َجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) (43).

 وهو(ع) أبو الأنبياء المذكورين في القرآن ما عدا آدم وإدريس(ع) قال تعالى: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ) (44). وهو(ع) أول من فتح باب التشريع وأتى بكتاب وشريعة وكلم الناس بمنطق العقل وطريق الإحتجاج مضافاً إلى طريق الوحي، فله المنّة على جميع الموحدين إلى يوم القيامة، ولذلك خصّه الله تعالى بسلام عام لم يشاركه فيه أحد، فقال عز من قائل: (سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) (45). وقد اصطفاه الله على العالمين (آل عمران آية 33) وعده من المحسنين (الأنعام 84، الصافات 80) وسماه عبداً شكورا (الإسراء آية 3) وعدّه من عباده المؤمنين (الصافات 81) وسماهُ عبداً صالحا (التحريم 10)وآخر ما نقلَ من دعائه قولُهُ: ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً).

عبادة الأصنام

لقد كان قوم نوح على التوحيد ولكن الشيطان زين لهم عبادة الأصنام فقادهم لعبادتها وترك عبادة الواحد الأحد.

 إن عبادة الله عز وجل هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها وكانت البشرية ممن يعبد الله وحده وقد ورد في روايات أئمة أهل البيت(ع) إن من هؤلاء قوم نوح وكان فيهم أولياء صالحون لهم المكانة والمقام في نفوسهم ولما توفاهم الله شقّ ذلك على الناس فجاءهم إبليس لعنه الله وقال لهم: أتخذ لكم أصناماً على صورهم فتنظرون إليهم وتأنسون بهم وتعبدون الله، فأعد لهم أصناماً على مثالهم فكانوا يعبدون الله عز وجل وينظرون إلى تلك الأصنام، فلما جاءهم الشتاء والأمطار أدخلوا الأصنام البيوت. فلم يزالوا يعبدون الله عز وجل حتى هلك ذلك القرن ونشأ أولادهم فقالوا: إن آباءنا كانوا يعبدون هؤلاء فعبدوهم من دون الله عز وجل.

 لقد تحولت الأصنام إلى أرباب تعبد وقد أطلقوا عليها أسماء متعددة هي أسماء الأولياء الصالحين الذين كانوا فيهم (46) قال تعالى: (وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) (47).

صنم النفس

وبالإضافة لعبادة تلك الأصنام، برز نوع آخر من الأصنام أيضاً، وهي النفس والهوى التي منعتهم من اتباع دعوة نوح لهم إلى الحق، هذه الصفات الشيطانية التي قد يحملها الإنسان فتمنعه من الاهتداء لطريق الحق وسماع دعوة الأنبياء وقد حمل قوم نوح صفة من هذه الصفات كانت حجتهم في رفضهم لدعوة نوح إلى التوحيد، وهي صفة التكبر.

 إن التكبر صفة شيطانية وهي تعني التعالي والتعاظم على الناس وهي من أكبر موانع الإستجابة لدعوة الأنبياء وكل دعوةٍ حقةٍ.

 وتكبرهم كان على نوح(ع) تارةً وعلى المؤمنين تارةً أخرى.

 أما الأولى فإن تكبرهم على نوح (ع) كان لأنهم كانوا لا يرون لنوحٍ أي فضلٍ عليهم ليكون رسولاً لربِّ العالمين دونهم فقالوا: (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا) (48).

 وقد أجابهم نوح (ع) عن ذلك بقوله : (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُون) (49).

فعجبهم بأنفسهم منعهم من الاستماع لنوح إذ لم يروا له أي فضل عليهم.

وهذا النوع من التكبر هو ما يعتبره الإمام الخميني(قده)من التكبر على الأنبياء والرسل والأولياء وكثيراً ما كان يحصل في زمن الأنبياء (50)

 وأما الثانية وهي تكبرهم  على من آمن بنوح قالوا: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِين) (51).

 بل وصل بهم التكبر بعد أن علموا بأن دعوة نوح هي دعوة إلى الحق أن طلبوا منه أن يطرد هؤلاء المؤمنين فكان جواب نوح (ع) لهم:

(وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ) (52).

 لقد تكرر الإحتجاج بهذه الحجة من قبل كل قومٍ رفضوا الإيمان وكان جواب الأنبياء(ع) رفض هذا المنطق من أساسه، لكسرِ هذه الفضائلِ الموهومةِ التي يراها هؤلاء لأنفسهم.

التكبر:

يعتبر التكبر من الآفات الخطيرة التي تصيب النفس الإنسانية، كما أن الشريعة نهت عنه في كثير من الآيات والروايات، وعن هذه الآفة الخلقية المعيبة لدين المرء، أفرد الإمام الخميني (قده) حديثاً في كتابه "الأربعون حديثاً" وتحدّث عن منابعه وأصله ودرجاته، وخطورته على المؤمن.

 وقد قسم درجات الكبر إلى أربعة درجات يقول(قده):

إعلم أن للكبر، من منظور آخر، درجات:

 الأولى: التكبر على الله تعالى.

 الثانية: التكبر على الأنبياء والرسل والأولياء صلوات الله عليهم.

 الثالثة: التكبر على أوامر الله تعالى، وهذا يرجع إلى التكبر على الله.

 الرابعة: التكبر على عباد الله تعالى، وهذا أيضا يراه أهل المعرفة راجعا إلى التكبر على الله" (53) .

وعن أهم عوامل الكبر يقول الإمام(قده):

إعلم إن من عوامل التكبر، فضلاً عمّا سبق ذكره من الأسباب، هو صغر العقل، وضعف القابلية، والضعة، وقلة الصبر. فالإنسان لضيق أُفقه ما أن يجد في نفسه خصلة مميّزه حتى يتصور لها مقاماً ومركزاً خاصاً. ولكنه لو نظر بعين العدل والإِنصاف إلى كل أمر يتقنه وكل خصلة يتميز بها، لأدرك أن ما تصوره كمالاً يفتخر به ويتكبر بسببه، إمّا أنه ليس كمالاً أصلاً، وإمّا أنه إذا كان كمالاً فإنه لا يكاد يساوي شيئاً إزاء كمالات الآخرين، وأنه كمن صفع وجهه ليحسب الناس احمرار وجهه نتيجة النشاط والحيوية. كما قيل:"اِسْتَسْمَنَ ذا وَرَمٍ" (54) .

 وأما علاج الكبر فلا بد وأن يدرك المريض بهذا المرض سوء الحالة التي وصل إليها، وهي الحالة التي يتساوى فيها في الصفة مع الشيطان الذي تكبر على آدم(ع)، وبعد أن يدرك سوء الصفة والمتصف بها عليه أن يتأمل في الدنيا وأن يعلم أنه وبالقياس إلى الآخرين فإنه ليس أفضل منهم، فهناك الكثيرون ممن هم أهم منه وأكثر فائدة لأمتهم. وليتأمل الإنسان في الكثير من الآيات التي تحدث الله تعالى فيها عن المتكبرين وسوء العاقبة التي تنتظرهم، ولينظر في الأحاديث الكثيرة التي تشير إلى المتكبر بأنه لن يدخل الجنة، وليتأمل في ما قاله العلماء العظام في ذم هذه الصفة، فالإمام الخميني(قده) يقول مخاطباً الإنسان:

"فيا أيها العزيز!إذا كان التكبر بالكمال المعنوي، فقد كان الرسول الأعظم(ص)والإمام علي(ع) أرفع شأناً، وإذا كان بالرئاسة والسلطان، فقد كانت لهما الرئاسة الحقة. ومع ذلك، كانا أشد الناس تواضعاً.واعلم أن التواضع وليد العلم والمعرفة، والكبر وليد الجهل وانعدام المعرفة، فامسح عن نفسك عار الجهل والانحطاط، وأتصف بصفات الأنبياء، واترك صفات الشيطان، ولا تنازع الله في ردائه ـ الكبرياء ـ فمن ينازع الحق في ردائه فهو مغلوب ومقهور بغضبه، ويُكَبُّ على وجهه في النار" (55) .

إبليس النموذج الأبرز لصنم التكبر

 وأما أول من تكبر فقد كان إبليس حيث أمره الله عز وجل بالسجود لآدم فأبى تكبراً منه قال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (56) .

 وهذا التكبر من إبليس إنما نشأ من عدم الإيمان الحقيقي بالله عز وجل وهذا هو السبب في بطلان عبادته كلها ولذا ورد عن الإمام علي(ع)  في نهج البلاغة:

"... فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذ أحبط عمله الطويل  وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أم سني الآخرة عن كبر ساعة واحدة" (57) .

 ومن الكلمات المؤثرة للإمام الخميني(قده)في ختام حديثه عن علاج هذه الصفة الذميمة يقول:

"إن الشيطان لم يكن قد تكبّر على الله، بل على آدم وهو من مخلوقات الحق، فقال: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، فاستعظم نفسه واستحقر آدم، وأنت تستصغر بني آدم وتستكبر بنفسك عليهم، فأنت أيضاً تعصي أوامر الله .

لقد قال لك تعالى: كن متواضعاً مع عباد الله، ولكنك تتكبر وتتعالى عليهم. فلماذا، تلعن الشيطان وحده؟ أشرك نفسك الخبيثة معه في اللعن أيضاً، مثلما أنت شريكه في هذه الرذيلة.إنك من مظاهر الشيطان، بل إنك تجسّد الشيطان.ولربما كانت صورتك في البرزخ وفي يوم القيامة صورة شيطانية" (58)

خلاصة الدرس

ـ أول الأنبياء أولي العزم هو نوح وشرائعه أولى الشرائع وهو أبو الأنبياء وأبو البشر الثاني وقد وصفه الله عز وجل بأفضل الصفات فقد اصطفاه على العالمين وسماه عبداً شكوراً وعبداً مؤمناً وعبداً صالحاً.

 ـ انحرف قوم نوح عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام والأصنام التي انقادوا إليها على نوعين.

 الأصنام المادية وهي التماثيل التي صنعوها تخليدا لبعض أوليائهم كيغوث ويعوق ونسرا.

 الأصنام المعنوية وهي خصال السوء وأهمها صفة التكبر فقد تكبروا على نوح وأنكروا نبوته وتكبروا على من آمن مع نوح فاشترطوا على نوح أن يطردهم ليؤمنوا به.

 ـ إن إبليس هو أبرز مثال للمتكبرين حيث أدى به تكبره إلى معصيته لأمر الله عز وجل له بالسجود لآدم.

 إن علاج الكبر هو أن يدرك المريض به سوء الحالة التي وصل إليها، وهي الحالة التي يتساوى فيها في الصفة مع الشيطان الذي تكبر على آدم(ع)، وبعد أن يدرك سوء الصفة والمتصف، وأن التواضع وليد العلم والمعرفة، والكبر وليد الجهل وانعدام المعرفة، وأن يتأمل الإنسان في الآيات التي تحدث الله تعالى فيها عن المتكبرين وسوء العاقبة التي تنتظرهم، ولينظر في الأحاديث الكثيرة التي تشير إلى المتكبر بأنه لن يدخل الجنة، وليتأمل في ما قاله العلماء العظام في ذم هذه الصفة.

أسئلة حول الدرس

1. لماذا كان نبي الله نوح أبو البشر الثاني؟

2. ما المراد من الأصنام المعنوية وهل تنحصر بصفة معينة؟

3. كيف نعالج مرض التكبر؟

4. ما هي درجات التكبر؟

للحفظ

(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) (59).

للمطالعة

 عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع)، قال: عاش نوح(ع) ألفي سنة وخمسمائة سنة، منها ثمانمائة وخمسون سنة قبل أن يبعث، وألف سنة إلا خمسين عاماً وهو في قومه يدعوهم، ومائتا سنة في عمل السفينة، وخمسمائة عام بعد ما نزل من السفينة ونضب الماء، فمصر الأمصار، وأسكن ولده البلدان، ثم إن ملك الموت جاءه وهو في الشمس، فقال: السلام عليك. فرد عليه نوح، وقال له: ما جاء بك يا ملك الموت، فقال: جئت لأقبض روحك، فقال له: تدعني أدخل من الشمس إلى الظل؟ فقال له: نعم: فتحول نوح(ع) من الشمس إلى الظل، ثم قال: يا ملك الموت، فكأن ما مر بي في الدنيا مثل تحولي من الشمس، إلى الظل، فامض لما أمرت به. قال: فقبض روحه(ع).

 الأمالي ـ الشيخ الصدوق ـ ص 602 ـ 603>

 






 

الدرس الرابع : نوع (ع) والدعوة الى الله

تحدث القرآن الكريم في مواضع عديدة عن رسالة نوح(ع) ودعوته إلى قومه ومدى صبر هذا النبي على الدعوة التي كانت من أكثر الدعوات الإلهية في امتدادها الزماني.

الإصرار على الدعوة

يحدثنا القرآن عن المدة الزمنية الطويلة التي لبث فيها نوح(ع) يدعو قومه لعبادة الله عز وجل فيقول :

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) (60)

وهذه المدة الزمنية كانت جهاداً دائماً من النبيِّ نوحد في الدعوة مع أنه قوبل بالإصرار على الكفر من قبل قومه، وقد لجأ إلى استخدام كل وسائل الدعوة التي كانت ممكنة له، وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه الكريم : )قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً *  فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً *  ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً) (61).

عبر مستفادة من دعوة النبي  نوحٍ(ع):

العبرة الأولى:

 إن من يريد أن يدعو إلى الحق عليه أن لا يصاب بالملل والضجر فإنه لن يصل في الدعوة إلى ما وصل إليه نبي الله نوح(ع) الذي أمضى الألف سنة إلا خمسين عاماً في دعوته لقومه لم يكل ولم يمل من دعوتهم إلى طريق الله رغم أنه لم يجد نتيجة بعد كل هذه السنين.

العبرة الثانية:

 إن عدم ظهور أثرٍ للدعوة وإصرار الآخرين على الباطل لا يعني اليأس عن دعوتهم إلى الحق، بل على الإنسان أن يستمر بكل طاقاته لأداء التكليف الإلهي الذي أنيط به، وبكل ما أعطاه الله من قوة.

العبرة الثالثة:

 إن طريق الدعوة إلى الله عز وجل لا بدَّ وان ينطلق دائماً من الحوار الذي يعتمد على المنطق والاستدلال ولذلك نجد إن القرآن عندما يحدثنا عن قصة نوح يحدثنا عن الحوار الذي دار بينه وبين قومه. فإنه مع وصفهم له بأنه في ضلال مبين قال لهم وبلين ومحبة أنَّه ليس على ضلال، بل على الحق وأنه لا يريد من دعوته لهم سوى ما به مصلحتهم.

(قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (62).

العبرة الرابعة:

 إن من يريد أن يدعو إلى الله عز وجل لا بد وأن يتحلى بالصبر الشديد فهذا نوح اتهمه قومه بالجنون (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) (63) .

  وهددوه بأن يرجموه (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمَرْجُومِينَ) (64)، فلم يمنعه تهديدهم بالتصفية الجسدية، ولم يخف من مكائدهم، بل صبر على أذيتهم إلى أن جاء أمر الله تعالى في عذابهم.

صناعة الفلك

بعد هذه المدة الطويلة والصبر والثبات على الدعوة بقي قوم نوح على ضلالهم فدعا نوح(ع) على قومه بالهلاك بعد استحقاقهم له، قال تعالى:

(وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارا) (65).

وتشرح لنا الآية بوضوح أن سبب دعائه عليهم هو أنهم مضافاً إلى عدم استجابتهم للدعوة أصبحوا ممن يضل الناس ويمنع من يميل إلى الحق من الإيمان بدعوة نوح ولن يولد من نسلهم إلا من هو كافر.

 واستجاب الله دعاء نوح وكتب على القوم أن يكون عذابهم بالطوفان ولذا وجّه أمره إلى نوح بصناعة السفينة قال تعالى: (وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (66) .

 ولا بد وأن يكون الموقف الطبيعي لهؤلاء القوم الذين اتصفوا بمساوئ الأخلاق هو الإستهزاء بنوح وبمن معه: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ* فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) (67) .

 ورحمة النبي بقومه تظهر حتى بعد دعائه عليهم ورغم استهزائهم به، ولذا لم يكن في جوابه إلا الرحمة والإنذار لقومه بالعذاب الإلهي لعلَّ قلوبهم تلين للحق.

الولد غير الصالح

 لقد كتب الله عز وجل الهلاك على قوم نوح واستثنى من ذلك النبي وأهله حيث يقول تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءِ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ) (68) .

 وامتثالا لهذا الأمر الإلهي طلب نوح(ع) من أهله أن يركبوا سفينة النجاة من العذاب الإلهي إلا امرأته لأن الله عزَّ وجل استثناها بقوله"إلا من سبقَ عليه القول".

وقد قال تعالى في آيةٍ أخرى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِين) (69) .

 ولكن التفت نوح(ع) ليجد ابنه في معزل لم يصعد إلى السفينة فناداه ولم يكن هذا النداء منه إلا لأنه لم يكن يعلم أن ابنه كان من غير المؤمنين ولذلك قال له لا تكن مع الكافرين ولم يقل له  لا تكن من الكافرين ولم يدعه نوح للركوب في السفينة لأنه ابنه حتى مع علمه بكفره بل كان يظن منه الإيمان (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) ولكن ابن نوح كان يعلم من نفسه أنه كافر وأنه ليس من أهل السفينة فأجاب والده بقوله: (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ) (70). ولكن نوح(ع) توجه إلى ربه بلهفة الوالد على ولده قال (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (71) .

 ولكن الجواب الإلهي جاء حاسماً (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِين) (72).

 وكان التسليم من نوح(ع)حاسما أمام الذات الإلهية فقال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ) (73) .

وفي قصة نوح(ع) مع ابنه دروس وعبر:

 أولاً: إن الولد غير الصالح قد يأتي من بيئة صالحة بل لربما كان والده نبياً ولكن التكليف يشمل كل إنسان وكل إنسان يتحمل نتائج عمله.

 ثانياً: إن القضاء الإلهي إذا ابرم على الكافرين فلا تنفعهم الشفاعة ولا تكون القرابة شفيعاً لهم أمام العذاب الإلهي الذي يستحقه الإنسان.

 ثالثاً: التسليم أمام الأمر الإلهي وإقرار الإنسان بجهله أمام العلم الإلهي، والتسليم يعني عدم الإعتراض، والخضوع لكل ما يحكم به الله عزَّ وجل.

نوح العبد الشكور

قال تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) (74).

 والشكور هو الإنسان الكثير الشكر

 وقد ورد في الروايات بيان هذه الصفة فعن أبي حمزة عن أبي جعفر الباقر(ع): قال: قلت: فما عنى بقوله في نوح (إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُورا)؟

 قال(ع):كلمات بالغ فيهن، قلت: وما هن؟ قال(ع):كان إذا أصبح قال: أصبحت أشهدك ما أصبحت بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فإنها منك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد على ذلك، ولك الشكر كثيراً، كان يقولها إذا أصبح ثلاثاً وإذا أمسى ثلاثاً.

 الشكر قد يكون باللسان وقد يكون بأشكال أخرى، يقول الإمام الخميني(قده) في الأربعون حديثاً: "اعلم أن الشكر عبارة عن تقدير نعمة المنعم. وتظهر آثار هذا التقدير في القلب في صورة وعلى اللسان في صورة وفي الأفعال والأعمال بصورة ثالثة. أما آثاره القلبية فهي من قبيل الخضوع والخشوع والمحبة والخشية وأمثالها. وأما آثاره على اللسان فالثناء والمدح والحمد، وأما آثاره في الأعضاء فالطاعة واستعمال الجوارح في رضا المنعم وأمثاله" (75) .

خلاصة الدرس

 ـ لقد استمرت دعوة نوح إلى قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً استخدم فيها كل الوسائل الممكنة له في الدعوة دون كلل أو ملل.

 ـ إن في قصة نوح عبرة لكل مبلَّغ بأنَّ عليه أن يصبر على الدعوة وأن لا يحصل له اليأس وأن يعتمد على الحوار والقول الحسن.

 ـ إن دعاء نوح على قومه إنما كان بعد أن وصل إلى أمرهم إلى الإفساد في الأرض والذي عبر عنه بقوله (لاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً).

 ـ إن العلاقة التي تفوق أي علاقة بين أبناء البشر هي علاقة الإيمان ولذا خاطب الله عز وجل نوحا لما سال عن ابنه بقوله إنه ليس من أهلك.

أسئلة حول الدرس

1. هل يسقط واجب الدعوة إلى الهدى مع عدم استجابة الآخرين؟

2. بماذا قابل نوح إتهام قومه له بالجنون؟

3. لماذا وصف القرآن ابن نوح بأنه ليس من أهل نوح؟

4. لماذا كان نوحٌ عبداً شكوراً وما هي حقيقة الشكر؟

للحفظ

(قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً * مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا *  وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا* رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) (76).

للمطالعة

 عن عبد السلام بن صالح الهروي عن الإمام الرضا(ع) قال: قلت له: لأي علة أغرق الله عز وجل الدنيا كلها في زمن نوح(ع) وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له؟ فقال: ما كان فيهم الأطفال لأن الله عز وجل أعقم أصلاب قوم نوح وأرحام نسائهم أربعين عاماً فانقطع نسلهم فغرقوا ولا طفل فيهم، وما كان الله عز وجل ليهلك بعذابه من لا ذنب له، وأما الباقون من قوم نوح (ع) فأغرقوا لتكذيبهم لنبي الله نوح(ع) وسائرهم أغرقوا برضاهم بتكذيب المكذبين، ومن غاب عن أمر فرضي به كان كمن شهده وأتاه.

 التوحيد ـ الشيخ الصدوق ـ ص 392

 






 

الدرس الخامس : أوصاف إبراهيم (ع) في القرآن

 أوصاف إبراهيم (ع) في القرآن

 تكرر ذكر النبي إبراهيم(ع) في القرآن الكريم ما يقارب السبعين مرة وذكره الله تعالى بأوصاف في العديد من آياته، فهو:

1 ـ من آتاه الله رشده من قبل (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) (77).

2 ـ هو من اصطفاه الله تعالى )وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين) (78).

3 ـ وهو الذي أراه الله ملكوت السموات والأرض )وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ) (79).

3- وهو خليل الله (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) (80) .

4 ـ وهو الحليم الأواه المنيب (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) (81).

5ـ وهو الإمام (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (82) .

6 ـ وجعل النبوَّة في ذريته (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ) (83).

  قصة التوحيد على لسان إبراهيم(ع)

 يحدثنا القرآن عن إبراهيم(ع) وحواره مع قومه ودعوته لهم لتوحيد الله واعتماده على الاستدلال على ضرورة عبادة الله وحده، لأنه هو الغني عن العالمين وأما غيره من الأرباب المزعومين فإنهم ناقصون لا يملكون كمال الربوبية قال تعالى:

(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ *  إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) (84) .

 الآيات التالية تشرح لنا استدلال إبراهيم من أفول الكواكب والشمس على عدم صحة كونها آلهة من دون الله، فعندما غطى ستار الليل المظلم العالم كله، ظهر أمام بصره كوكب لامع  وقد ورد في الروايات أنه كوكب الزهرة، ويطرح إبراهيم(ع) السؤال: هل يكون هذا رباً؟ ولكنه إذ رآه يغرب، قال: لا أحب الذين يغربون، ومرةً أخرى رفع عينيه إلى السماء، فلاح له  القمر في وسط السماء بضوئه المشع، ويعيد إبراهيم(ع) السؤال هل يكون هذا رباً؟ ولكن مصير القمر لم يكن بأفضل من مصير الكوكب من قبله، فقد اختفى وذهب نوره. هنا قال إبراهيم(ع): إذا لم يرشدني ربي إلى الطريق الموصل إليه فسأكون في عداد التائهين. عند ذاك كان الليل قد انقضى، وطلعت شمس النهار، ولما رأى إبراهيم الشمس وغمره نورها الساطع أعاد السؤال ثالثة هل يكون هذا ربا؟ فإنه أكبر وأقوى ضوءاً، ولكنه إذ رآها كذلك تغرب وتختفي في جوف الليل البهيم أعلن إبراهيم قراره النهائي قائلا: يا قوم ! لقد سئمت كل هذه المعبودات المصطنعة التي تجعلونها شريكة لله، الآن بعد أن عرفت أن وراء هذه المخلوقات المتغيرة المحدودة الخاضعة لقوانين الطبيعة إلهاً قادراً وحاكماً على نظام الكائنات، فاني أتجه إلى الذي خلق السماوات والأرض، وفي إيماني هذا لن أشرك به أحداً، فاني موحدٌ ولستُ مشركاً: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين.

وأما كيف يكون أفول هذه الكواكب دليلا على عدم صحة كونها رباً فهو:

أولاً: إن الله المربي، كما يستفاد من كلمة "رب" لا بد أن يكون دائماً قريباً من مخلوقاته وأن لا ينفصل عنهم لحظة واحدة، وعليه لا يجوز لكائن يغرب ويختفي ساعات طويلة، بنوره وبركته وتنقطع صلته كليا عن الكائنات الأخرى، أن يكون رباً وإلهاً. ثانياً: إن كائنا يغرب ويبزغ ويخضع للقوانين الطبيعية، لا يمكن أن يحكم على هذه القوانين ويملكها؟ إنه هو نفسه مخلوق ضعيف يخضع لأوامرها وغير قادر على أدنى انحراف عنها.

 الدعوة إلى الله تعالى

 انطلق إبراهيم(ع) لدعوة قومه إلى توحيد الله عز وجل، وقد خاض إبراهيم(ع) هذه الدعوة بمحاورة قومه وبيان بطلان ما يعبدونه من أصنام، ويحكي لنا القرآن الكريم عن حوارٍ ثلاثيٍّ خاضه إبراهيم(ع):

أولاً: حواره مع النمرود

 لقد ادعى النمرود وهو من ملوك بابل الربوبية ودعا الناس إلى عبادته دون الله عز وجل وتحداه إبراهيم(ع) وأثبت عجزه من أن يكون رباً. فأولاً اعتمد إبراهيم(ع) على مسألة الموت والحياة التي تهم البشر جميعاً فقال له:(رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) وأجابه النمرود(أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) فقد قام نمرود هذا باستخدام أسلوب الإيهام والمغالطة لأن الناس يستمعون إلى هذا التحدي الدائر بينه وبين إبراهيم(ع) وكيف يثبت قدرته على الموت والحياة وهو عاجز فكان لا بد من حيلة وكانت حيلته هي هذه أن  أمر بإحضار سجينين أطلق سراح أحدهما وأمر بقتل الآخر، ثم قال لإبراهيم ولمن كان يشاهد ذلك: أرأيتم كيف أحيي وأميت.

 ولكن إبراهيم لم يرد أن يقف ليبين للناس كيف أوقعهم هذا الرجل في الخطأ فتحداه بأمر آخر قَالَ (إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ) (85) .

 وكانت نتيجة هذا التحدي (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (86).

ثانياً: حواره مع قومه

 يحدثنا القرآن أيضاً عن حوار إبراهيم(ع) مع قومه واعتراضِهِ على عبادتهم للأصنام وأما حجَّة قومه فقد كانت في غاية الضعف وهي إن آباءهم كانوا كذلك وهنا يبطل إبراهيم هذه الحجة فان الإنسان عليه أن يتبع الحق لا الآباء.

 والرب الذي ينبغي أن يعبد هو الذي خلق الإنسان والذي إليه يعود أمر هذا الإنسان دون الأصنام سواء كانت أصنام من حجر يصنعها الإنسان بيده أو كانت أصناما بشرية أي من سائر أفراد البشر الذين لا يملكون حولا ولا قوة ، وإن تجبروا على الناس وتسلطوا عليهم.

(إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَانَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ) (87).

 ويبين إبراهيم(ع) بوضوح صفات الإله الذي ينبغي أن تكون العبادة له:

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ *  قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (88).

ثالثاً: حواره مع أبيه

 الحوار الثالث الذي ذكره القران الكريم هو ما دار بين إبراهيم(ع) وأبيه آزر (وهو عمه حقيقة واحتراماً له كان يناديه يا أبت) حيث إن إبراهيم(ع) توجه بالنصيحة له: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَانِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً * قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) (89) .

 وفي حوار إبراهيم تظهر الشفقة الشديدة على أبيه من العذاب الإلهي ولأجل ذلك أراد أن تكون هذه الشفقة عاملاً لتليين قلب أبيه لعل الهداية تجد طريقها إليه ويعتمد إبراهيم(ع) أسلوباً للدعوة امتاز بعدة أمور:

 أحدها: أن هذا المعبود الذي يتوجه إليه آزر وقومه لا يسمع ولا يبصر ولا يمكنه أن ينفع الإنسان بشيء وإذا كان كذلك فكيف يكون رباً يعبدُ من دون الله.

 ثانيها: إن فطرة الإنسان تقتضي أن يرجع الجاهل بأمرٍ ما إلى من يحيط علماً به وأن على الإنسان أن لا يتكبر على إتباع العلماء وان كانوا أصغر منه أو أقلَّ شأنا منه في سائر الأمور.

 ثالثها: إن دعوة الناس إلى الحق لا بد وان تتم دائماً بروح المحبة والشفقة، وهي سمة الأنبياء(ع) وأن مواجهة أهل الضلال مهما اشتدَّت لا ينبغي أن تجعل الداعية إلى الحق شخصاً قاسي القلب ولأجل ذلك خاطب إبراهيم أباه حتى بعد رفضه الشديد للحق بقوله سلامٌ عليك.

 حسم الفساد أمر ضروري

لم تنفع دعوة إبراهيم مع أحد من قومه بل أصروا على كفرهم وكذلك ملكهم النمرود وأراد إبراهيم أن يُحدث صدمةً في نفوسهم لعل الغشاء الذي ملأ قلوبهم يزول وتقبل نفوسهم الحق. واستغل إبراهيم فرصة انشغال قومه بعيدٍ لهم فذهبَ إلى هذه الأصنام التي تعبد من دون الله (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون) (90).

 إذا لا بد من تحطيم هذه الأصنام ولكن لا بد وأن يكون في تحطيمها فائدة، ولذا فإن إبراهيمد لم يحطمها ويلوذ بالفرار أو يخفي ذلك بل جاهرهم بحجته التي هي في قناعة كل واحد منهم حجة صحيحة إنهم حجارة عاجزة، ويمكن لأي إنسان أن يحطمها فكيف تكون إلها ورباً؟

خلاصة الدرس

 ـ وصف الله إبراهيم في القرآن بأنه من آتاه الله رشده واصطفاه ومن أراه ملكوت السموات والأرض وجعله إماما وجعل النبوة في ذريته.

 ـ يسرد لنا القران استدلال إبراهيم على التوحيد من خلال إثبات أن كل ما عدا الله عز وجل لا يستحق العبادة لاتصافه بالنقصان.

 ـ خاض إبراهيم حوارا مع أطراف ثلاثة:

 أ ـ مع نمرود الذي كان يدعو الناس لعبادته وتحداه إبراهيم بأمرين لا يقدر عليها إلا الله وهما الموت والحياة وان يأتي بالشمس من المغرب فبهت الذي كفر.

 ب ـ مع قومه حيث استدل لهم على بطلان عبادتهم للأصنام بأنها لا تملك لهم نفعا ولا ضراً.

 ج ـ مع أبيه حيث اثبت له بطلان عبادته للأصنام لأنَّ هذه العبادة هي من طاعة الشيطان وفيها العذاب الأليم.

 ـ لما لم تنفع دعوة نوح لقومه كان لا بد حسم الفساد عبر تحطيم الأصنام.

أسئلة حول الدرس

1. كيف اثبت إبراهيم(ع) عدم جواز عبادة الكواكب والشمس والقمر؟

2. ما هو دليل إبراهيم(ع) على عدم كون نمرود إلها يستحق العبادة؟

3. كيف حاور إبراهيم(ع)  قومه وما هو دليله على عدم صحة عبادتهم؟

4. لماذا قام إبراهيم(ع) بتحطيم الأصنام؟

للحفظ

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (91) .

للمطالعة

عن أبي الصلت الهروي أن علي بن الجهم قال للإمام الرضا(ع) فأخبرني عن قول الله عز وجل في إبراهيم (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي) فقال الرضا(ع) أن إبراهيم(ع) وقع على ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة وصنف يعبد القمر وصنف يعبد الشمس وذلك حين خرج من السرب الذي أخفي فيه فلما جنَّ عليه الليلُ رأى الزهرة فقال ربي على الإنكار والإستخبار فلما أفل الكوكب قال لا أحب الآفلين لأن الأفول من صفات الحدث لا من صفات القديم فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي على الإنكار والإستخبار فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكون من القوم الضالين فلما أصبح ورأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر من الزهرة والقمر على الإستخبار لا على الإخبار والإقرار فلما أفلت قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس اني برى مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، وإنما أراد إبراهيم(ع) بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم ويثبت عندهم أنَّ العبادة لا تحق لمن كان بصفة الزهرة والقمر والشمس وإنما تحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض وكان ما احتج به على قومه مما ألهمه الله عز وجل وأتاه وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه.

 قصص الأنبياء ـ الجزائري ـ ص 17 ـ 18.

 






 

الدرس السادس : إبراهيم (ع) والإختيار الإلهي

 الذريَّة الصالحة

 أمنية كل مؤمن أن يهبه الله تعالى الذرية الصالحة وكان إبراهيم(ع) ممن لم يرزقه الله الولد في بداية حياته لمشكلة في زوجه التي كانت عاقراً، وهنا التجأ إبراهيم(ع) إلى الله عز وجل الذي بيده كل الأمور واستجاب له الله عز وجل طلبه هذا فإبراهيم(ع) أراد ذرية صالحة ملتزمة مؤمنة وهذا من طلب الخير(وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِي * رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ) (92) .

 وكانت البشرى الإلهية لإبراهيم هي أن رزقه الله إسماعيل من هاجر غير زوجته الأولى سارة، ووصف الله هذا الولد بأنه غلام حليم وهكذا كانت البشرى لإبراهيم هي باستجابة الدعاء بأن وهبه الله الولد وكانت البشرى أيضاً بأنه كان غلاماً أي أنَّه ممن يصل إلى سنّ الشباب والفتوة وكانت البشرى بأنه حليم وهو الذي يضبط نفسه عند الغضب ويصبر.

 وكتب الله عز وجل لإبراهيم أيضاً أن يكون كل أولاده هبة من الله عز وجل وأن تبشره الملائكة بهذه الهبة الإلهية فقد وهبه الله عز وجل غلاماً آخر هو إسحاق من زوجته الأولى وبعد أن كانت عاقراً (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (93) .

 وقد اقترنت هذه البشارة لإبراهيم بإسحاق بأنَّ إسحاق سيولد له ولد وهو يعقوب فهي بشارة بالولد وبالحفيد.

 إن قصة إبراهيم(ع) هذه تحكي عن اللطف الإلهي بعباد الله الصالحين لأن إبراهيم(ع) كان شيخاً كبير السنّ وزوجته كانت عاقراً، ولكن الله كتب له الولد الصالح فلا ينبغي للإنسان أن يحترز عن التوسل إلى الله في قضاء أي حاجة يطلبها ومن الخطأ الفادح أن يتوهم الإنسان أن الله يعجز عن الإستجابة له لأنه القادر على كل شيء.

 وفي آية أخرى يحدثنا القرآن عن هذه البشارة فيقول: (فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (94).

 وقد ورد في آخر الآية أن الاستجابة إنما تكون عن حكمة وعلم فهي لا تصدرُ لمجرد دعاء الإنسان وطلبه أمراً من الله بل لا بدَّ وأن يكون في ذلك حكمة للعبادة ومصلحة لهم.

 وفي الرواية قال أحدهم للرضا(ع) جعلت فداك إني قد سألت الله تبارك وتعالى حاجة منذ كذا وكذا سنة، وقد دخل قلبي من إبطائها شيء فقال(ع) يا أحمد إياك والشيطان أن يكون له عليك سبيلاً حتى يعرضك إن أبا جعفر صلوات الله عليه كان يقول: إن المؤمن يسأل الله الحاجة فيؤخر عنه تعجيل حاجته حباً لصوته، واستماع نحيبه ثم قال: والله لما أخر الله عن المؤمنين مما يطلبون في هذه الدنيا خير لهم مما عجل لهم منها، وأي شيء الدنيا؟ إن أبا جعفر كان يقول: ينبغي للمؤمن أن يكون دعاؤه في الرخاء نحواً من دعائه في الشدة، ليس إذا ابتلى فتر، فلا تمل الدعاء (فإنه) من الله تبارك وتعالى بمكان (95).

  الإختبار الإلهي بعد البشارة

إن التكليف الشرعي بالنسبة للمؤمن هو الهدف الذي يسعى دائماً إلى تحقيقه، لأن في مقابل الإلتزام الكامل به رضا الله سبحانه وتعالى.

 وقد يكون التكليف الشرعي في بعض الأحيان مخالفاً لمزاج الإنسان وهواه، وهنا تكون الفرصة السانحة التي لا يحب الشيطان أن يفوتها، فيدخل على الخط ليحاول ثني الإنسان عن أداء هذا التكليف إما من خلال تثبيط عزيمته أو بتحريك هوى النفس الأمّارة بالسوء باتجاه رغباتها وبالتالي ترك التكليف.

 وفي هذه الحالة يكون الأمر ابتلاءاً وامتحاناً من الله تعالى لعبده، وهذا الإمتحان من الله تعالى للعباد يختلف من شخص لآخر، وبحسب قدرة كل إنسان على التحمل، ولذا يختلف امتحان الأنبياء(ع) عن امتحان سائر البشر لتفاوت القدرات بينهم.

  لقد كان التكليف الإلهي الذي اختبر به الله عز وجل خليله إبراهيم(ع) عظيماً، وعظيماً جداً إنه أمرٌ قد يسقط في الإلتزام به الإنسان العادي والذي لم يصل إلى المقام الإيماني العظيم الذي وصل إليه النبي إبراهيم(ع)،  فأي بشر يحتمل أن يذبح ولده فقط طاعة لله ولأن الله أمره بذلك دون أن يعرِّفه سرَّ ذلك.

 هنا كان الموقف الكبير والقرار الذي لا مداهنة فيه، وهو الانقياد  التام لأمر الله تعالى والطاعة والتسليم، فيقود ولدهُ نحو المذبح هذا الولد الذي جاءه بعد دعاءٍ استجابهُ الله تعالى له، ولكن إذا كان الله هو الذي أعطى فله كل شيء وعلى إبراهيم(ع) أن يطيعه.

 وتتجلى الطاعة عند إسماعيل(ع) هذا الفتى الذي خاطب أباه بالطاعة، مشهد رباني حدثتنا عنه الآيات الكريمة:  (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَا اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ) (96) .

 ليس مناماً عابراً إنها رؤيا من نبي فهي أمر إلهي وتكليف ربّاني.

 وأما الطاعة فإنها أرقى من مجرد أن يقوم إبراهيم بعملية الذبح إنها حالة التسليم أي الخضوع والخشوع وتقبل الأمر، فهو يقبل على عملية ذبح ولده وهو على قناعة تامة بأن ذلك الطلب الإلهي لا مجال فيه للشك أو السؤال (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) (97). عندما أسلم إبراهيم وإسماعيل للأمر وجلس الولد في المذبح واستل الوالد سكينه دون اضطراب أو قلق إنها الطاعة ولكن النداء الإلهي جاءه:

(وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (98) .

 لقد تحقق المطلوب واجتاز إبراهيم(ع) الامتحان وأظهر التسليم التام أمامَ الأمرِ الإلهي، فأتى أمر الله تعالى بعد أن علم صدقه وتسليمه  بأن يذبح الكبش (الفداء) بدل ولده وبهذا استحق إبراهيم(ع) أن يكون من المحسنين والمؤمنين واستحقَّ مقام الإِمامة الإلهية.

 وكانت سنّة إبراهيم هذه في ذبحه للفداء أمراً إلهيا بالتضحية على كل من حج بيت الله الحرام تذكيراً لهذا الإنسان بالموقف العظيم لنبي من أنبياء الله العظام(ع) لقد قص القرآن الكريم هذه القصة ليبين للمسلمين أهمية الطاعة للتكليف الإلهي والتسليم أمامه وأن على الإنسان أن لا يختلق المبررات لمخالفة أي تكليف طلبه الله تعالى منه.

خلاصة الدرس

 ـ بعد أن وجد إبراهيم إعراض قومه عنه أعرض عنهم واتجه إلى ربه بالدعاء أن يهبه الذرية الصالحة فوهبه الله إسماعيل من هاجر ولم يكن طلب إبراهيم لمجرد رغبة في الذرية بل أراد الذرية الصالحة، كما وهبه الله عز وجل على كبر إسحاق.

 ـ قضت الحكمة الإلهية أن يمر الأنبياء بأنواع من الامتحانات لينالوا بذلك الدرجات الرفيعة وأعظم امتحان الهي لإبراهيم(ع) كان أمره بذبح ولده إسماعيل وكان موقفه التسليم أمام الأمر الإلهي والتسليم هو الإتيان بالعمل مع القناعة التامة والخضوع القلبي

أسئلة الدرس

1. كيف يكون طلب الأنبياء للذرية؟

2. ما هي فائدة ابتلاء الأنبياء بأنواع البلاء؟

3. ما هو معنى التسليم؟

4. لماذا سرد القرآن الكريم قصة الذبح؟

للحفظ

( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (99).

للمطالعة

في الحديث أن إبراهيم(ع) لقي ملكاً، فقال له: من أنت؟ قال أنا ملك الموت، قال تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض بها روح المؤمن؟ قال نعم، أعرض عني، فاعرض عنه، فإذا هو شاب حسن الصورة حسن الثياب حسن الشمائل طيب الرائحة، فقال:يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن إلا حُسنَ صورتك لكان حسبه، ثم قال هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض بها روح الفاجر؟ فقال: لا تطيق، فقال بلى، قال فاعرض عني، فاعرض عنه، ثم التفت إليه، فإذا هو رجل أسود قائم الشعر منتن الرائحة أسود الثياب يخرج من فيه ومن مناخيره النيران والدخان. فغشي على إبراهيم(ع)، ثم أفاق، وقد عاد ملك الموت إلى حالته الأولى، فقال: يا ملك الموت لو لم يلق الفاجرُ إلا صورتك هذه لكفته.

 قصص الأنبياء ـ الجزائري ـ ص 135






 

الدرس السابع : موسى (ع) كليم الله

 موسى (ع) والانتصار للحق

 اعتنى القرانُ الكريم بذكر قصة نبي الله موسى (ع) لما في قصة هذا النبي من دروسٍ وعبر، خصوصاً مع ما واجهه وعاناه من بني إسرائيل.

 لقد كان هذا النبي محلاً للعنايةِ الإلهيةِ منذ أن وضعته أمُّه وألقته في اليم بإلهام من الله، وتربَّى عند عدوه فرعون، وكانت عناية الله تعالى به أنَّه (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (100) .

 وقد خصه الله عز وجل بالحكمة والعلم ومن يتصف بذلك لا بد وأن ينطلق في كل عملٍ يقوم به ضمن ما يريده الله عز وجل ومنها نصرة المظلوم، لقد دخل موسى إلى المدينة (مصر)، هذه المدينة التي كان قوم موسى وهم بنو إسرائيل يعانون أشدَّ أنواع العذاب والظلم من فرعون وجنوده، ويصادف دخول موسى(ع) مع قيام عراك بين شخصين أحدهما من بني إسرائيل والآخر من جماعة فرعون، وورد أنَّه كان طباخاً لفرعون وكان يُكره الإسرائيلي على حمل الحطب معه إلى قصر فرعون وهنا لما رأى هذا الإسرائيلي موسى وعرفه استنقذه، ومن الطبيعي أن يتدخل موسى فالذي استصرخه رجل مظلوم، فأقبل موسى لنصرته وقتل الذي من أصحاب فرعون.

 وما قام به موسى(ع) هنا لم يكن معصيةً على الإطلاق لأن ذلك الرجل كان يستحق القتل ولأن موسى(ع) إنما فعل ذلك دفعاً لظلمه وفساده، ولكن ذلك لم يكن لمصلحة موسى، لأن هذا الفعل سوف يؤدي إلى إيقاعه في مشاكل لا يريد موسى(ع) الدخول فيها وهو يبحث عن طريق الخلاص لقومه من ظلم فرعون.

(وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)  (101) .

 ولكن مجرد كون موسى قد استعجل بقتله للرجل لا يعني إطلاقاً أن نصرته للمظلوم كانت خطأً ولذلك قال موسى بعد ذلك: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِين) (102) .

 إذاً لا يصح على الإطلاق أن يكون الإنسان ممن يقدم المعونة للمجرمين وهذه المعونة قد تكون بالتقصير في نصرة المظلوم.

 وقد ورد في رواية عن الإمام الرضا(ع) ما يشرح به هذه الآيات عندما سأله المأمون  عن قول الله عز وجلLفَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان)فقال(ع) إن موسى دخل مدينه من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها وذلك بين المغرب والعشاء (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّه) فقضى موسى على العدو وبحكم الله تعالى ذكره (فَوَكَزَه) فمات (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان) يعنى الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين لا ما فعله موسى(ع) من قتله (إنه) يعنى الشيطان (عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِين) فقال المأمون: فما معنى قول موسى ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) قال: يقول: إني وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة (فَاغْفِرْ لِي) أي استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني (103)

 موسى ودعوة فرعون إلى الحق

يحدثنا القرآن الكريم عن فرعون وفساده، يقول تعالى : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ) (104).

 مثل هذا الإنسان كان على موسى أن يدعوه إلى الإيمان بالله والطاعة له، وهذا أمر ليس يسيراً، ولكن الله الذي اصطنع موسى لنفسه مكّنه من التصدي لهذا  الأمر ولذا أمره بالذهاب إلى فرعون لدعوته إلى الإيمان وكانت الوصية الإلهية لموسى أن تكون خطوته الأولى في الدعوة تعتمد على القول اللين: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى) (105).

 انه المنطق الذي يعتمد اللغة الهادئة في الدعوة والتذكير بالله عز وجل وأن السلام إنما يكون لمن اتبع الهدى.

 وأما الخطوة التالية فهي الآية أي الدليل على صدق مقولة موسى بأنه مرسل من الله، وهي العصا المعجزة، وقد طلب فرعون الدليل وأخرج موسى له الدليل (قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ) (106).

 ولا مجال لفرعون أمام ما رآه من تحدٍّ إلا أن يكمل التحدي لأن إيمانه بما جاء به موسى يعني نهاية كل هذا التسلط والتجبر، وهذا أمر لا يمكن لفرعون الطاغي أن يفعله، ولأجل أن لا يتأثر من كان حاضراً في مجلس فرعون بمعجزة موسى خاطبهم فرعون بتحذيرهم من موسى عبر اتهامه بالسحر تارة وبالجنون أخرى، وهذه عادة الطغاة إذا جاءهم الرسول من ربهم.

(قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ*قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ*يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) (107) .

وكان الإتفاق على يوم التحدي وأن يكون في يوم عيد القوم لأن موسى(ع) أراد أن يستغل فرصة اجتماع الناس لتصل دعوته إلى مسامع أكبر عدد منهم.

( فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتَ مَكَاناً سُوًى*قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) (108).

 يوم الزينة والانقلاب على فرعون

لقد بذل فرعون كل جهده لتكون الغلبة له على موسى، ولعله كان يعتقد بذلك ويتيقن به، ولذا جمع الناس لمشاهدة هذا الأمر، وكذلك قام بالبحث عن كل ساحر في المدن والبلاد حتى وصفه الله عز وجل بقوله: (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى)  (109).

 ولم يكن ذلك من فرعون إلا لأنه كان يرى انه (قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنْ اسْتَعْلَى) (110).

 وهنا يعتمد موسى على تحذير السحرة الذين غرر بهم فرعون وتخويفهم من عذاب الله لأنهم يتحدون رسوله : (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى) (111).

 ولكن فرعون كان قد حذرهم من موسى محولاً المسألة إلى مصالح الناس جميعاً لأن في انتصار موسى هزيمة القوم وإخراجهم من أرضهم وأن تزول كل تقاليدهم وأعرافهم ومقدساتهم وديانتهم الوثنية (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى) (112)

 وهكذا انتقلت المسالة إلى المواجهة الفعلية، وفعلاً لقد أثَّر فعل السحرة في النفوس (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيم) (113).

 ولكن الله عز وجل كان في نصرة نبيّه موسى وثبت فؤاده (قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى*وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (114).

 وهكذا انتصر موسى وحدث الإنقلاب على فرعون

(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) (115).

 وإيمان السحرة أوجد هزة قوية في النفوس لأن إيمانهم إقرار منهم بأن ما جاء به موسى لم يكن سحراً مما يتقنون صنعه، بل كان معجزة إلهية. ولذا عاقبهم فرعون بأشد أنواع العقاب.

(لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) (116).

  الدروس المستفادة من قصة موسى

1 ـ إن الخطوة الأولى في الدعوة لا بد وان تعتمد على بيان الحق لأن العاقل يتبع الحق إذا وصل إليه.

2 ـ إن على الداعية أن يكون ذا قدم راسخة في الدعوة وأن لا يضعف أمام أي تهويل قد يعتمده الضالون، ولذا تجرأ أهل الضلال على اتهام الأنبياء(ع) بالسحر والجنون ولكن ذلك لم يضعف من عزيمة الأنبياء في الدعوة إلى الحق.

خلاصة الدرس

 ـ لقد كان نبي الله موسى محلاً للعناية الإلهية منذ اليوم الأول له في هذه الدنيا حيث أنجاه من القتل.

 ـ اضطر موسى إلى مغادرة مصر لما انتصر لمظلوم من بني إسرائيل استنجده على رجل من أصحاب فرعون كان يتسلط عليه، ولم يكن فعل موسى هذا فعلاً محرماً لأن المقتول كان مستحقاً للقتل.

ـ اعتمد موسى على دعوة فرعون إلى الحق على أسلوب الحوار الهادئ والقول الليّن ولمّا لم يجد منه استجابة تحدّاه بالمعجزة الإلهية (العصا).

 ـ آمن السحرة بمجرد أن رأوا معجزة موسى(ع) لأنهم علموا أن ما جاء موسى لم يكن من صنع البشر، وأحدث إيمانهم هزة في النفوس ولذا عاقبهم فرعون أشد العقاب.

 ـ الدروس المستفادة من قصة موسى هي أن على الداعي اعتماد الحوار الهادئ في الدعوة والإتيان بالأدلة والبراهين على صدق الدعوة، وأن لا يضعف ويصاب بالوهن عند اتهامه من قبل الآخرين ومحاولة تفريق الناس عنه.

أسئلة حول الدرس

1. كيف فسر الإمام الرضا(ع) قصة قتل موسى(ع) للرجل القبطي؟

2. ما هي فائدة اعتماد القول اللين في الدعوة إلى الله؟

3. هل من الضروري أن تقترن الدعوة بالدليل والبرهان؟

4. لماذا بادر السحرة إلى الإيمان بموسى(ع) مباشرة؟

للحفظ

( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ*وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ*فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ*وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَا مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلاَ أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ*تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (117):

للمطالعة

 قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيها) (118). قارون من قوم موسى وقد قيل انه من أرحامه... كان رجلاً فقيراً يعيش مع بني إسرائيل كما يعيشون الفقر والمذلة ولكنه يملك عقلاً اقتصادياً كبيراً... إنه سعى بلباقة وتقرّب من فرعون حتى احتلّ عنده مرتبةً عالية... قرّبه فرعون إليه وأدناه منه ليستفيد منه في قمع بني إسرائيل.

نظر فرعون وقارون إلى موسى نظرة عداء..لقد أضر بهما جداً...إنهما تحالفا على قهر بني إسرائيل وإذلالهم وموسى يريد أن يحررهم ويطلق سراحهم.

لقد رأى (قارون) بأم عينيه كيف تتناقص شعبيته يوماً بعد يوم بل تتآكل وتزول.

لقد فكّر طويلاً وفكّر معه مستشاروه وبطانته وقد يكون فرعون وحاشيته قد اشتركوا في هذا التفكير... وحاكوا مؤامرة للإيقاع بالنبي موسى(ع)، وإسقاطه من أعين الناس.

فبذلوا لعاهرةٍ قدراً يرضيها من المال ثم دفعوها لتقر على موسى(ع) بأنه قد مارس معها الفاحشة وبهذا الإقرار يسقط موسى من أعين بني إسرائيل ونفوسهم وينفضون عنه ويتخلون عن دعوته.

وأمام بني إسرائيل وفي مجتمع عام يحضره موسى ويحضره قارون وأصحابه يتوجه سؤال إلى موسى عن جريمة الزنا وعقوبتها، فيجيبهم موسى بحرمة هذا الفعل ومن ارتكب الزنا حده الرجم إن كان محصناً، فقال المتآمرون عليه: وإن كنت أنت يا موسى؟ قال: وإن كنت أنا.

 عندها صرخ بعضهم:إننا نعرف أنك ارتكبت هذه الفاحشة بفلانة.ثم أرسلوا خلفها لأداء شهادتها مقابل ما اتفقوا معها..

جاءت المرأة لتشهد زوراً وبهتاناً على نبي هو أطهر الناس وأعفهم...

دخلت وقبل ان تتكلم توجه إليها موسى وقال لها:"نشدتك بالله إلا ما قلت الحق"فتغير وضع المرأة لهذه المناشدة ولم تقدر أن تكتم الحقيقة بل أعلنتها أمام بني إسرائيل وفي المجتمع العام قائلة لهم: إن هؤلاء قد أغروني بالمال لأتهمك ولكن أشهد أنك طاهر بريء ونبيٌّ كريم..

ولكن هذه الأذية لموسى لن تمر دون عقاب لمن سببها وتآمر على إخراجها وأهان نبياً عظيماً من أنبياء الله فكان عقوبته أن خسف الله به الأرض في هذه الدنيا.

 الأصدق في قصص الأنبياء، ص 282، عباس علي الموسوي.

 






 

الدرس الثامن : موسى (ع) و بنو إسرائيل

1 ـ ميلهم لعبادة الأصنام

لقد عانى نبينا موسى(ع)  من قومه، وهم بنو إسرائيل، أكثر مما عانى من فرعون وقومه.فرغم المنن الإلهية المتتالية على بني إسرائيل وأعظمها ذلك التدخل الإلهي في شق البحر لئلا يدركهم فرعون كانت طبيعتهم تميل إلى الانحراف عن الحق والتعلق بالماديات، ولذا فإنهم بمجرد خروجهم من محنة فرعون ونزول النعم الإلهية عليهم يطلبون من موسى أن يكون لهم آلهة أصنام: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) (119).

 إنه طلبٌ يتسم بالجرأة الشديدة على رسول الله موسى(ع) إذ يطلبون عبادةَ غير الله ويطلبون من موسى أن يجعل لهم هذا الإله.

 لقد كانوا يميلون إلى الماديات وكانوا يتصورون أن الله ذا جسمٍ كالإنسان وكانت عشرتهم الطويلة للوثنيين من قوم فرعون قد أثرت في نفوسهم.

 وقد حذرهم موسى(ع) من مفاسد هذا الطلب وأوضح لهم أن ما رأوه من عبادة هؤلاء الجماعة هو باطل وهالك، وأن الذي أوصل بني إسرائيل إلى هذا الطلب ليس هو سوى جهلهم بخالقهم وذكَّرهم بالنعم التي أنعمها الله عليهم والتي تعجز هذه الآلهةُ عن فعل أي شيء منها: (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ*إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ*وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (120). وتكشف لنا قصة بني إسرائيل هذه عن أمور:

 أولاً: إن الإنسان يتأثر بالبيئة المحيطة به، ولذا كان من الواجب على المسلمين محاربة كل أنواع الفساد الإجتماعي لا سيما الذي يأتي من بلاد الغرب إلى بلاد المسلمين ليفتن أهلها عن الحق ويزيّن لهم المفاسد في نفوسهم.

 وثانياً: إن الإنسان إذا أحيط بالنعم الإلهية فإن واجبه أن يزيد من عبادته لربه وأن يحذر من أن يصاب بالغرور فيضلّ ويشقى.

 وثالثاً: إن من أهم أسباب الإنحراف هو الجهل، وعلى الإنسان أن يسعى لتعلم أصول دينه ومعالم عقيدته لتكون له القدرة على مواجهة الشبهات التي يصطدم بها.

2 ـ حب الشهوات

بعد أن أنجى الله بني إسرائيل من فرعون أغدق عليهم نعمه الإلهية عناية منه بهم لما لاقوه من عذاب على يد فرعون (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (121).

 لقد كانوا يعيشون في نعم الله التي خصهم بها ولكن ميل بني إسرائيل إلى الشهوات جعلهم يتذمرون من هذه النعمة ويبحثون عن أشياء هي اقل بكثير من هذه النعم إنهم يبحثون عن الطعام الذي اعتادوا عليه أيام ذلهم واستعباد فرعون لهم: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) (122).

 لقد تخلوا عن النعمة، وهذا نوع من الكفر بالنعمة تلبس به بنو إسرائيل، واستجاب الله عز وجل لهم هذا الطلب بعد أن أنَّبهم موسى(ع) على ذلك ولكن هذا الطلب لا يمكن أن يتم وهم يعيشون في أمان، بل إن هذا النوع من الحياة المادية المبنية على الشهوة والتي كان يسعى إليها بنو إسرائيل سوف تنقلهم من حياة العزِّ والكرامة إلى حياة الذلِّ والمهانة: (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (123).

 توضح لنا هذه الآية الكريمة أن الإنسان الذي يعطيه الله عز وجل نعمة من النعم إذا لم يرض بها وأراد أن يعيش في حياة أخرى لاعتقاده أنها الأفضل نتيجة جهله فإن الله سوف يسلب منه هذه النعمة، والنعم إنما تستمر على الإنسان إذا عرف قدرها وتوجه إلى الله عز وجل بالشكر له عليها.

3 ـ التخلف عن فريضة الجهاد

 من الأمور التي وقع بها بنو إسرائيل ميلهم إلى الراحة والكسل، حتى وصل بهم الأمر إلى عدم قيامهم بأداء فريضة الجهاد، رغم دعوة نبي الله لهم ورغم كون الجهاد دفاعاً عن أرض كانت لهم وقد سلبها منهم قومٌ آخرون.

(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ*قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ*قَالَ رَجُلاَنِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ*قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ*قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ*قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (124).

 ومع أن نبياً مرسلاً من الله عز وجل كان إلى جانبهم يرعى أمورهم ومصالحهم ومع تحذيره لهم من مساوئ التخلف عن الجهاد ووعده لهم بأن النصر سوف يكون حليفهم بمجرد قيامهم بأداء واجبهم، إلا أنهم لم يقدموا على الجهاد بل اتسم جوابهم بالوقاحة والجرأة الكبيرة، فطلبوا من موسى أن يذهب ليقاتل هو وربّه وأنَّهم هاهنا قاعدون. وعقابهم كان شديداً جداً، إنه التيه وهو أعظم ما ابتلي به بنو إسرائيل.

 إن ما جرى على بني إسرائيل كان سنّة من السنن الإلهية، يجري على كل أمَّةٍ تتخلف عن الجهاد والقتال وتتذرع بأي حجة من الحجج، وإن المصير النهائي لهذه الأمم هو حياة الذلّ والهوان.

 وقد ورد في الرواية عن أمير المؤمنين(ع): أما بعد فإن الجهاد بابٌ من أبواب الجنة فتحه الله لخاصَّةِ أوليائِه ـ إلى أن قال: ـ هو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء... (125)

4 ـ فتنة السامري

 لقد كان بنو إسرائيل ضعاف الإيمان فبعد طلبهم الأول من موسى(ع) أن يصنع لهم أصناما آلهة ليعبدوها وتحذيره لهم، كانت فتنتهم الثانية التي حصلت بغياب موسى(ع) عنهم وقصة ذلك أن رجلاً منهم يسمى السامري جمع ما كان لدى بني إسرائيل من ذهب الفراعنة ومجوهراتهم، وصنع منها عجلاً له صوت خاص (خوار)، ودعا بني إسرائيل لعبادته. فاتَّبعه أكثر بني إسرائيل، وبقي هارون ـ أخو موسى وخليفته ـ مع أقلية من القوم على دين التوحيد، وحاول هؤلاء الموحدون الوقوف بوجه هذا الإنحراف فلم يفلحوا، وأوشك المنحرفون أن يقضوا على حياة هارون أيضاً، فما هو سبب الانحراف هذا بعد كل الآيات التي أظهرها لهم الله تعالى ورأوها بأعينهم؟

 إنه الضعف في العقيدة والجهل الذي أدى بهم إلى ترك ديانة التوحيد وهو امتحانٌ واختبارٌ لهم من الله عز وجل لأن الإيمان الصحيح والقوي يصمد أمام هذا النوع من الامتحان، وأما الإيمان الضعيف فإنه سوف ينهار أمام أضعف الشبهات وهذا ما حصل مع بني إسرائيل.

( فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ*فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) (126).

وكان لا بد لموسى(ع) أن يغضب لهذا، إنَّه الغضب المشوب بالرحمة لخوفه على قومه من العقاب الإلهي الشديد نتيجة كفرهم، وهذا هو موقف كل مؤمن يدعو إلى الله تعالى.

 وقد اتخذ موسى موقفاً حاسماً فبين لهم أولاً بطلان عبادتهم لهذا العجل، (أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً) (127).

 ثم قام ثانياً بمحو هذه الظاهرة من حياتهم

(قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفا) (128).

 وسنَّة الامتحان الإلهي هذه تجري على جميع الأمم، فالله عز وجل يضع عباده أمام امتحان الطاعة له والالتزام بأوامره ونواهيه والفائزون هم أصحاب الثبات والقدم الراسخة في الإيمان.

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (129).

خلاصة الدرس

 ـ أدى تعلق بني إسرائيل بالماديات وجهلهم وضعف إيمانهم إلى أن يطلبوا من موسى أن يصنع لهم أصناماً يعبدونها من دون الله. وهذه الحادثة تشكل درساً لأهمية تحصين الإنسان لعقيدته ليواجه بها شبهات المضلين وأن البيئة الصالحة ضرورية لسلامة المجتمع من الإنحراف.

 ـ لقد تخلى بنو إسرائيل عن النعم الإلهية (المن والسلوى) فكان جزاؤهم حياة الذل والمهانة وهذه سنة إلهية تجري على جميع الأمم

 ـ لقد اتسم بنو إسرائيل بالجبن وأدى ذلك إلى تخلفهم عن أداء فريضة الجهاد وسنّة الله قضت في من يتخلف عن الجهاد أن يسام الذُل

 ـ افتتن بنو إسرائيل بعبادة العجل وتخلوا عن عبادة رب السموات والأرض وكان موسى(ع) حاسماً أمام هذه الفتنة وهو الموقف اللازم أمام كل الفتن.

أسئلة حول الدرس

1. ما هو السبب الأول في انحراف الإنسان عن طريق الحق؟

2. ما هي سنة الله التي تجري على من يكفر بالنعم؟

3. ما هي فائدة تحصين الإنسان لعقيدته؟

4. ما هو الموقف الصحيح الذي يجب اتخاذه أمام الشبهات العقائدية؟

للحفظ

( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ*قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ*قَالَ رَجُلاَنِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ*قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ*قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ*قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (130).

للمطالعة

 عن أبي الحسن العسكري(ع) قال: لما كلم الله عز وجل موسى بن عمران(ع) قال موسى: إلهي ما جزاء من شهد أني رسولك ونبيك وأنك كلمتني؟ قال: يا موسى تأتيه ملائكتي فتبشره بجنتي، قال موسى: إلهي فما جزاء من قام بين يديك يصلي؟ قال: يا موسى أباهي به ملائكتي راكعاً وساجداً وقائماً وقاعداً، ومن باهيت به ملائكتي لم أعذبه.قال موسى: إلهي فما جزاء من أطعم مسكيناً ابتغاء وجهك؟ قال: يا موسى آمر منادياً ينادي يوم القيامة على رؤوس الخلائق أن فلان بن فلان من عتقاء الله من النار.قال موسى: إلهي فما جزاء من وصل رحمه؟ قال: يا موسى أنسي له أجله وأهون عليه سكرات الموت ويناديه خزنة الجنة: هلمّ إلينا فادخل من أي أبوابها شئت.قال موسى: إلهي فما جزاء من كفّ أذاه عن الناس وبذل معروفه لهم؟ قال يا موسى: يناديه النار يوم القيامة: لا سبيل لي عليك.قال: إلهي فما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه؟ قال: يا موسى أظله يوم القيامة بظل عرشي وأجعله في كنفي.قال: إلهي فما جزاء من تلا حكمتك سراً وجهراً؟ قال: يا موسى يمر على الصراط كالبرق.قال: إلهي فما جزاء من صبر على أذى الناس وشَتْمِهِمْ فيك؟ قال: أعينه على أهوال يوم القيامة، قال: إلهي فما جزاء من دمعت عيناه من خشيتك؟ قال: يا موسى أقي وجهه من حرِّ النار، وأؤمنه يوم الفزع الأكبر.قال: إلهي فما جزاء من ترك الخيانة حياءاً منك؟ قال: يا موسى له الأمان يوم القيامة.قال: إلهي فما جزاء من أحب أهل طاعتك؟ قال: يا موسى أحرمه على ناري.قال: إلهي فما جزاء من قتل مؤمناً متعمداً؟ قال: لا أنظر إليه يوم القيامة، ولا أقيل عثرته.قال: إلهي فما جزاء من دعا نفساً كافرة إلى الإسلام؟ قال: يا موسى آذن له في الشفاعة يوم القيامة لمن يريد، قال: إلهي فما جزاء من صلى الصلوات لوقتها؟ قال: أعطيه سؤله وأبيحه جنتي.قال: إلهي فما جزاء من أتم الوضوء من خشيتك؟ قال: أبعثه يوم القيامة وله نور بين عينيه يتلألأ.قال: إلهي فما جزاء من صام شهر رمضان لك محتسباً؟ قال: يا موسى أقيمه يوم القيامة مقاماً لا يخاف فيه.قال: إلهي فما جزاء من صام شهر رمضان يريد به الناس؟ قال: يا موسى ثوابه كثواب من لم يصمه.

بحار الأنوار ـ العلامة المجلسي ـ ج13 ـ ص 327 ـ . 328

 






 

الدرس التاسع : عيسى بن مريم (ع)

 الولادة المعجزة

قضى الله في قوانين الطبيعة أن يولد الإنسان من أبٍ وأمٍ، وهذا هو نظام العلل والمعلولات والأسباب والمسببات وهذا النظام لا يعني إطلاقاً عجز الخالق عن إيجاد إنسان من دون أب ولا أم، أو عجزه عن إيجاد إنسان من دون أحدهما وهكذا كانت ولادة عيسى بن مريم(ع) فقد خلقه الله من غير أب.

(إِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ*وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصَّالِحِينَ) (131).

لقد جاءت الملائكة تزفُّ البشرى إلى مريم بأن الله سيهبها طفلاً ولكن لن يكون طفلاً عادياً، إنه مليءٌ بالأوصاف الإلهية فهو زكي ومن الصالحين والوجيه في الدنيا والآخرة، ولكن مريم تساءلت وسؤالها طبيعي.

(قَالَتْ رَبّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (132).

والجواب جاءها أنَّه قضاءٌ إلهي، ولكي تطمئن مريم(ع) التي فاجأها هذا الخبر فقد كانت البشارة بالولد الذي يكون رسولاً إلى بني إسرائيل أنه المولود المنتظر الذي عاشت أجيال بني إسرائيل بعد موسى(ع) بانتظاره.

 عيسى(ع) المدافع الأول عن مريم(ع)

لقد ساور مريم(ع) القلق لأنها عرفت كيف سيكون موقف القوم، فإنهم سيرمونها بأبشع تهمة قد تلحق بأية فتاة عفيفة، إنها تهمة الزنا، وهي(ع) مثال الطهر فكيف تبرئ نفسها وهي تحمل وليداً ولا تنكِرُ أنَّهُ ابنها وأنَّها هي التي ولدته، ولكن الله عز وجل أرشدها إلى الطريق الذي يكونُ بهِ خلاصَها إنَّه الصمت، إن على مريم(ع) أن لا تتحدث (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً*فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً*وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً*فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً) (133).

وذلك لأن من سيدافع عن مريم هو هذا الوليد الصغير، وبهذا يكون في كلامه أعظم دفاع عن طهارة أمه، إنها المعجزة تتدخل لتثبت أن هذا المولود ليس عادياً بل هو محل عناية من الله عز وجل.وأما ما نطق به عيسى فلم يكن فقط الدفاع عن أمه بل البشارة لمن كان ينتظره من بني إسرائيل بأنه رسول من قبل الله تعالى: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) (134).

 يبقى سؤال أن عيسى(ع) هل كان نبيا منذ ولادته أو أنه أراد أن يخبر عن المستقبل؟ ظاهر الآية أن عيسى بن مريم(ع) كان نبياً عندما نطق في المهد، فقد ورد في الروايات أن عيسى بن مريم(ع) كان نبياً في ذلك الوقت ولم يكن رسولاً، وإنما أصبح رسولاً بعد ذلك فقد ورد أن أحد أصحاب الإمام الصادق(ع) سأله أكان عيسى بن مريم حين تكلم في المهد حجة الله على أهل زمانه؟ فقال(ع): كان يومئذ نبياً حجة الله غير مرسل، أما تسمع لقوله حين قال (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً*وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) (135).

معجزة النبوة

 إذا كان عيسى بن مريم(ع) رسولاً فإن المعجزة هي دليل صدق للرسول يهبه الله إليه بنحو يعجز سائر أفراد البشر عن الإتيان بمثله.

وكانت معجزة نبي الله عيسى(ع) غريبة في زمن عيسى إنها: إحياء الموتى، وإبراء الأعمى، والإنباء بأمور غيبية.

(وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِىُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين) (136).

تفيدنا هذه الآية أن رسل الله وأولياءه يستطيعون بإذن منه وبأمره ـ إذا اقتضى الأمر ـ أن يتدخلوا في عالم الخلق والتكوين، وأن يحدثوا ما يعتبر خارقاً للقوانين الطبيعية.فاستعمال أفعال مثل "أبرئ" و"أحيي الموتى" وبضمير المتكلم تدل على أن هذه الأفعال من عمل الأنبياء(ع) أنفسهم.ولكن لكي لا يتصور أحد أن الأنبياء والأولياء كان لهم استقلال في العمل، وأنهم أقاموا جهازاً للخلق في مقابل جهاز خلق الله، وكذلك لكي لا يكون هناك أي احتمال للشرك وللعبادة المزدوجة، تكرر قول "بإذن الله".

 المؤامرة اليهودية والتدخل الإلهي

 لقد بقيت عادات بني إسرائيل على ما هم عليه منذ أن تركهم نبيهم موسى بن عمران وهي عادة التآمر والمكر، لقد صدمتهم ولادة عيسى بن مريم(ع) وهم الذين كانوا يرتقبون ولادته ولذلك ذهبوا في اتهامهم لمريم أبشع الاتهامات (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً) (137).

 وكذلك لم يسمعوا لعيسى بن مريم رغم ما جاءهم به من البينات بل أرادوا التخلص منه وهم يفتخرون بفعلهم ذلك.

(وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا*وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) (138)، ولكن الله عز وجل أخبر نبيه(ع) بمؤامرة اليهود.

(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون) (139).

إذاً لقد شبّه لهم الأمر فقتلوا غيره ولم ينالوا من عيسى بن مريم(ع).والتعبير في الآية الكريمة بمتوفيك ليس المراد منه الموت لأنَّ التوفية هي أخذ الشيء تاماً ويستعمل في الموت والمراد منه هنا الأخذ والحفظ.

وقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق(ع)  قال: إن عيسى(ع) وعد أصحابه ليلة رفعه الله إليه فاجتمعوا إليه عند المساء وهم اثني عشر رجلاً، فأدخلهم بيتاً ثم خرج عليهم من عين في زاوية البيت وهو ينفض رأسه من الماء فقال: إن الله أوحى إليّ أنه رافعي إليه الساعة ومطهري من اليهود، فأيكم يلقى عليه شبحي فيقتل ويصلب ويكون معي في درجتي، فقال شاب منهم: أنا يا روح الله، فقال: فأنت هوذا، فقال لهم عيسى، أما إن منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح اثني عشرة كفرة، فقال له رجل منهم: أنا هو يا نبي الله؟ فقال عيسى: أتحس بذلك في نفسك؟ فلتكن هو.ثم قال لهم عيسى: أما إنكم ستفترقون بعدي على ثلاث فرق فرقتين مفتريتين على الله في النار، وفرقة تتبع شمعون صادقة على الله في الجنة، ثم رفع الله عيسى من زاوية البيت وهم ينظرون إليه، ثم قال أبو جعفر عليه السلام إن اليهود جاءت في طلب عيسى من ليلتهم فأخذوا الرجل الذي قال له عيسى: إن منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح اثنتي عشرة كفرة، واخذوا الشاب الذي القي عليه شبح عيسى(ع) فقتل وصلب.وكفر الذي قال له عيسى، تكفر قبل أن تصبح اثنتي عشرة كفرة (140).

خلاصة الدرس

  ـ كانت ولادة عيسى بن مريم(ع) معجزة لأنه ولد من غير أب وقد بشر الله عز وجل مريم به وبأنه يكون نبياً ورسولاً ومن الصالحين.

ـ كان عيسى بن مريم(ع) المدافع الأول عن أمه أمام ما اتهمت به إذ نطق في المهد.

ـ كانت معجزة عيسى بن مريم(ع) لإثبات نبوته إحياء الموتى وإبراء الأعمى والإنباء بالغيب وكل ذلك بإذن الله.

ـ تآمر اليهود لقتل عيسى بن مريم(ع) ولكن الله رفعه إليه فقتلوا شخصاً شبه لهم بعيسى بن مريم.

أسئلة حول الدرس

1. بماذا اقترنت بشارة الله لمريم عندما بشرها بعيسى(ع)؟

2. هل تتنافى معجزة عيسى بن مريم(ع) مع القدرة الإلهية والتوحيد؟

3. ما هو المراد من قوله متوفيك لعيسى بن مريم(ع)؟

4. هل كان عيسى بن مريم(ع) نبياً عندما تكلم في المهد؟

للحفظ

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا*وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا*وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) (141).

للمطالعة

 عن الصادق، عن آبائه(ع) قال: قال رسول الله(ص): مر عيسى بن مريم(ع) بقبر يعذب صاحبه، ثم مر به من قابل فإذا هو ليس يعذب، فقال: يا رب مررت بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعذب، ثم مررت به العام فإذا هو ليس يعذب؟ فأوحى الله عز وجل إليه: يا روح الله إنه أدرك له ولد صالح فأصلح طريقاً وآوى يتيماً فغفرت له بما عمل ابنه.

بحار الأنوار ـ العلامة المجلسي ـ ج6 ـ ص220.

عن أبي عبد الله(ع) قال: بينا عيسى بن مريم في سياحته إذ مر بقرية فوجد أهلها موتى في الطريق والدور، قال: فقال: إن هؤلاء ماتوا بسخطة، ولو ماتوا بغيرها تدافنوا، قال: فقال أصحابه: وددنا أنا عرفنا قصتهم، فقيل له: نادهم يا روح الله، قال: فقال: يا أهل القرية، قال: فأجابه مجيب منهم: لبيك يا روح الله، قال: ما حالكم؟ وما قصتكم؟ قال: أصبحنا في عافية وبتنا في الهاوية، قال: فقال: وما الهاوية؟ فقال: بحار من نار، فيها جبال من النار، قال: وما بلغ بكم ما أرى؟ قال: حب الدنيا وعبادة الطاغوت، قال: وما بلغ من حبكم الدنيا؟ قال: كحب الصبي لأمه، إذا أقبلت فرح وإذا أدبرت حزن، قال: وما بلغ من عبادتكم الطواغيت؟ قال: كانوا إذا أمرونا أطعناهم، قال: فكيف أنت أجبتني من بينهم؟ قال: لأنهم ملجمون بلجام من نار عليهم ملائكة غلاظ شداد... قال: فقال عيسى(ع) لأصحابه: إن النوم على المزابل وأكل خبز الشعير خير كثير مع سلامة الدين.

بحار الأنوار ـ العلامة المجلسي ـ ج 14 ـ ص 322 ـ .323






 

الدرس العاشر : عيسى (ع) والغلو

النبي عيسى(ع) والغلو

 نجحت مؤامرة اليهود في إبعاد عيسى المسيح(ع) عن مسرح الأحداث وإن لم يتمكنوا من قتله بل رفعه الله إليه، واعتقدت اليهود بأنها قد استراحت منه فيما ذهبت النصارى مذهب الغلو فيه فاعتقدت أنه إله أو إبنٌ لله عز وجل، فأخرجوه عن حد البشرية، ويتحدث القرآن الكريم عن مقولتهم هذه في سورٍ متعددة:

 (وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه) (142).

 (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)  (143).

( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) (144).

وأكبر مصداق للغلو الاعتقاد بكون بشرٍ ما ــ مهما امتلك من الصفات الحسنة والمواهب ــ إلهاً، وقد عبَّر القرآنُ عنْ هذه العقيدة بأنَّها غلو.

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (145).

أسباب الغلو في عيسى بن مريم(ع)

أولاً: الولادة من غير أب:

 لعل من الأسباب التي أدّت إلى ذهاب النصارى مذهب الغلو ودعوى أن المسيح عيسى بن مريم(ع) إله هو ولادته من غير أب وقد رد القرآن الكريم هذه المقولة بأن ولادته من غيرِ أب ليست بغريبة ولا تستدعي هذا الغلو لأن شأنه في ذلك شأن آدم(ع).

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (146).

ثانياً: معجزة عيسى(ع):

 لقد كانت معجزة عيسى(ع) وهي إحياء الموتى من الأفعال غير العادية والتي لا يقدر عليها البشر عادة، ولكنَّ الله عز وجل أكَّد في الآيات القرآنية أن هذا الفعل إنما كان بإذن من الله وليس من عيسى بنحو الاستقلال.

(وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ...) (147).

 مواجهة القرآن لظاهرة الغلو:

 لقد واجه القرآن الكريم في آيات متعددة مقولةَ النصارى بألوهية عيسى(ع) ببراهين متعددة أبطل بها هذه العقيدة:

 أولا: رفض القرآن إطلاقاً نسبة هذه المقولة إلى عيسى بن مريم(ع) فهو لم يدّع أنه إله ولم يدعُ الناس إلى عبادته، بل كان نبيّاً دعا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فإذا كان من يدّعي النصارى أنه إله لا يقول ذلك فهذا يعني أن هذه المقولة تسربت إلى أتباعه من فرق أخرى.

(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ*مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (148).

(لنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً) (149).

ثانياً: إن المسيح لو كان إلها كما يعتقد النصارى لكان ممن يملك أمر نفسه فله أن يحفظ نفسه من الهلاك ومن كل شر وله التصرف في الكون بما يشاء لأن هذا هو معنى كونه إلها وليس المسيح كذلك.

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (150).

ثالثاً: إن الإله لا يمكن أن تكون له صفات البشر وعيسى(ع) كانت له صفات البشر فقد كان يأكل الطعام وهذا يعني حاجته إلى الطعام للبقاء والله هو الغني عن كل شيء.

(مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُون) (151).

رابعاً: إن الإله هو الذي يكون بيده أمر الناس من ضرّ أو نفع، وأما من لا يكون بيده ذلك فلا يكون إلهاً.

(قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (152).

خامساً: إن من النصارى من ذهب إلى كون المسيح ابناً لله وليس هو الله وقد رد مقولتهم القرآن الكريم بتنزيه الله عز وجل عن أن يكون له ولد، لأن الولد يأتي من الحاجة، إما الحاجة إلى استمرار النسل لأن الموت يصيبه أو الحاجة إلى إشباع العاطفة أو نحو ذلك وكل هذا يتنزه عنه الله الغني عن العالمين (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)   (153).

سادساً: من النصارى من ذهب إلى القول بالتثليث وان الآلهة ثلاثة وأجابهم القرآن ببيان ضرورة التوحيد ونفي وجود شريك لله عز وجل.

(وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (154).

فإذا كان كل ما في السموات والأرض لله فلن يكون هناك إلهٌ آخر.سابعاً: لقد أكّد القرآن في ستة عشر مورداً أن المسيح هو عيسى بن مريم وهذا يعني أن المسيح(ع) هو إنسان كسائر الناس، خلق في بطن أمه، ومر بدور الجنين في ذلك الرحم، وفتح عينيه على الدنيا حين ولد من بطن مريم(ع) كما يولد أفراد البشر من بطون أمهاتهم ومرّ بفترة الرضاعة وتربّى في حجر أمه، مما يثبت أنه امتلك كل صفات البشر فكيف يمكن أن يكون إلهاً أزلياً أبدياً، وهو في وجوده محكوم بالظواهر والقوانين المادية الطبيعية ويتأثر بالتحولات الجارية في عالم الوجود؟

 التوحيد الحقيقي ينافي الغلو

 إن التوحيد الحقيقي يعني الإيمان بالله الذي لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته وأنه الغني عن العالمين.أما نفي الشريك فلأنَّ القدرة الإلهية غير متناهية فهو القادر على كل شيء والإيمان بوجود شريك لله يعني تحديد القدرة الإلهية واختلال نظام هذا الكون نتيجة وجود إلهين لكل واحدٍ نفوذه الخاص.

(مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (155).

 إذا سوف يسعى كل إله ليتغلب على الإله الآخر وهذا يعني الصراع بينهم وعدم بقاء الكون على ما هو عليه من وحدة في النظام وارتباط دقيق (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ*لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون) (156).

خلاصة الدرس

 ـ لما رفع الله عيسى بن مريم(ع) إلى السماء ذهب بعض أتباعه إلى الغلو فيه فمنهم من جعله إلها ومنهم من جعله ابناً لله.

ـ الأسباب التي أدّت إلى الغلو في عيسى بن مريم هي: ولادته من غير أب، والمعجزة التي كانت معه وهي إحياء الموتى.

ـ واجه القرآن الكريم الغلو في عيسى بن مريم(ع) بإنكار كون عيسى قد ادعى الألوهية على لسانه، وبأن عيسى بن مريم لو كان إلها لكان بيده أمر حفظ نفسه من الهلاك، وبأن لعيسى صفات البشر فهو يأكل الطعام ومن كان كذلك يستحيل أن يكون إلها لأن الإله لا بد وأن يكون منزها عن كل حاجة.

ـ رد القرآن الكريم مقولة من ذهب إلى أن عيسى هو ابن لله لأن الله غني عن الولد والولد لا يكون إلا عن حاجة لدى الوالد.

أسئلة الدرس

1. لماذا كانت معجزة إحياء الموتى من أسباب الغلو في عيسى بن مريم(ع)؟

2. لماذا يستحيل أن يكون لله ولد؟

3. كيف أبطل القرآن القول بوجود آلهة ثلاث؟

4. كيف يمكن مواجهة ظواهر الغلو؟

للحفظ

( وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُون) (157).

للمطالعة

بينما عيسى بن مريم(ع) جالس وشيخٌ يعمل بمسحاةٍ ويثير الأرض، فقال عيسى(ع): اللهم انزع منه الأمل، فوضع الشيخ المسحاة واضطجع فلبث ساعة، فقال عيسى: اللهم أردد إليه الأمل، فقام فجعل يعمل، فسأله عيسى عن ذلك فقال: بينما أنا أعمل إذ قالت لي نفسي: إلى متى تعمل وأنت شيخ كبير؟ فألقيت المسحاة واضطجعت، ثم قالت لي نفسي: والله لابد لك من عيش ما بقيت، فقمت إلى مسحاتي.

بحار الأنوار ـ العلامة المجلسي ـ ج 14 ـ ص 329

عن علي(ع) قال: قال رسول الله (ص)يا علي مثلك في أمتي مثلُ المسيح عيسى بن مريم افترق قومه ثلاث فرق: فرقة مؤمنون وهم الحواريون، وفرقة عادوه وهم اليهود وفرقة غلوا فيه فخرجوا عن الإيمان، وإن أمتي ستفترق فيك ثلاث فرق: ففرقة شيعتك وهم المؤمنون وفرقة عدوك وهم الشاكون، وفرقة تغلو فيك وهم الجاحدون، وأنت في الجنة يا علي وشيعتك ومحب شيعتك، وعدوك والغالي في النار.

بحار الأنوار ـ العلامة المجلسي ـ ج 25 ـ ص 264 ـ. 265

 






 

الدرس الحادي عشر : محمد (ص) نبي الرحمة

مما وصف الله به نبي الإسلام(ص)هو أن جعله رحمة للعالمين قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين) (158).

ومما اختصه به أن جعله خاتم النبيين (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما) (159).

ميزتان للدعوة النبوية اجتمعتا فيها وهما تعنيان أن الرسول هو للبشرية كافة وأن هذه الرسالة هي رسالة رحمة أي إن فيها سعادة البشرية كافة في الدنيا والآخرة، ولذا كانت هذه الشريعة ناسخة لكافة الشرائع التي سبقتها ولن تأتي بعدها أي شريعة.

وتتجلى رحمة النبي(ص)هذه في أمور عديدة:

أولاً: إن هذا النبي هو الذي يضع عن أهل الكتاب الأغلال التي كانت عليهم (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم) (160).

وذلك لأنَّ أحبارهم ورهبانهم ابتدعوا أحكاماً قيدوا بها أتباعهم وهي ليست أحكاماً إلهيةً فيها مصلحة البشرية، بل هي أحكام تتسم بالقسوة أراد الله تعالى أن يخلصهم منها من خلال نبيه الخاتما ولعله من هنا كان وصف الشريعة الإِسلامية بالشريعة السهلة السمحاء وقد روي عنالنبي (ص)قوله: "لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية ولكن بعثني بالحنيفة السهلة السمحة" (161).

وثانياً: إن النبي هو الذي جاء بالشريعة التي فيها تفصيل كل شيء بما تقتضيه مصلحة هذا الإنسان(وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِث) (162).

ثالثاً: أنَّه تعالى يعفو عن أمته بسبب شفاعته.

رابعاً: انه دعا الله إن يرفع عن أمته عذاب الإستئصال الذي كان يحيق الأمم السابقة التي تكفر بالرسالات وتستهزى بالأنبياء(ع)، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (163).

وسوف نتحدث عن نموذجين من رحمة النبي الأكرم(ص):

1 ـ رحمة النبي الأكرم(ص) بغير المسلمين

لقد تحمل رسول الله(ص) في سبيل الإسلام وهداية الناس الكثير من الأذى، ورغم كل هذا الأذى الذي لاقاه النبي(ص)كان قلبه يمتلأ بالشفقة حتى على غير المؤمنين، طمعاً منه في هدايتهم، فالنبي(ص)كان حريصاً على هدايتهم.

قال تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (164).

وتتحدث الآية بوضوح عن حسرةِ النبي(ص)الشديدة لعدم اهتدائهم إلى طريق الهدى وليس ذلك إلا رحمة منه بهم لما يجده من مصير سيء لهم ببقائهم على شركهم.

وأعظم مواقف الرحمة من النبي(ص) لقومه كان يوم فتح مكة بعد أن دخلها فاتحا لم يهرق دما، وأذل مشركي قريش وأصبحوا أسرى بين يديه وانتظروا أمره وحكمه عليهم، فقال لهم كلمته الشهيرة " اذهبوا فانتم الطلقاء" واستبدل الشعار الانتقامي الذي كان قد نادى بعضهم به إلى شعار (اليوم يوم المرحمة ).

2 ـ رحمة النبي(ص) بالمسلمين

لما أراد الله عزَّ وجل التعريفَ برسوله محمدا في القرآن خصَّه بصفتين وهما الرأفة والرحمة.(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيم) (165).

 والعنت هو التعب والمشقة، والحرص شدة طلب الشيء وأما "رؤوف" فهي في حق المطيعين من المؤمنين وأما الرحيم فهي بحق العصاة منهم.وذلك لأن معنى الرؤوف الرحيم وإن كان متقارباً ولكن إذا وردتا في كلام واحد اختلف معناهما.

فالمقصود بالآية أنالنبي (ص)يتأذى ويتألم لكل مشقة وأذى تصل إلى المؤمنين وهو يسعى لهدايتهم إلى طرق الخير بكل ما له من قدرة وهو رؤوف بهم ورحيمٌ بالعصاة منهم.

 النبي(ص)وأهل الكتاب:

 أ ـ دعوة النبي لليهود

كانت بداية الهجرة بداية انطلاق دعوة النبي(ص) لليهود لأنهم كانوا يجاورونه في المدينة ولكن طباع اليهود لم تتبدل إنها العداوة الشديدة لهذا النبي ولمن آمن معه قال تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) (166).

 وتمثلت عداوتهم للنبي(ص) طيلة إقامتهم في المدينة إلى أن أخرجهم الله منها ويحدثنا القرآن عن بعض نماذج هذه العداوة:

1 ـ تآمرهم لقتل النبي (ص)

لقد كان بين النبي الأكرم(ص)ويهود بني النضير حلفاً، وكان يقضي أن يقوم اليهود بمعونة المسلمين عند الحاجة، ولما حلّت الحاجة إليهم كلمهم النبي(ص) في ذلك فأظهروا الالتزام بذلك ولما جاءهما كانوا قد حاكوا مؤامرة لقتله تقضي بأن يقوم أحدهم وهو (عمرو بن جحاش) برمي حجر من فوق سطح أحد البيوت عليه.ولكن الله عز وجل أخبر نبيه بما خطط له اليهود فخرجا لنبي (ص)من مكانه مسرعاً إلى المدينة وتبعه المسلمون بعد ذلك، فأخبرهم بمؤامرة اليهود هذه، وسار جيش المسلمين إليهم فحاصروهم فتحصنوا داخل قلاعهم فشدد النبي الحصار عليهم وأمر بأن تقلع الأشجار القريبة من تلك القلاع واستمر الحصارُ لعدَّةِ أيامٍ، إلى أن حقن النبي دماءهم شرط أن يخرجوا من المدينة وأن لا يحملوا من الأموال إلا ما تحمله الدواب وهذا ما قصه القرآن بقوله: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ*وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ*ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقَّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب) (167).

2 ـ تآمرهم على المسلمين في غزوة الخندق

 لما حاصرت قريش وحلفاؤها المدينة اشترك اليهود في هذه المؤامرة، وما إن هزم الله الأحزاب حتى أمر النبي(ص) المسلمين بالتوجه مباشرة إلى حيث يقيم يهود بني قريظة شركاء الأحزاب الذين نقضوا عهدهم معه، وحاصرهم النبي(ص)وكعادة اليهود في جبنهم وخوفهم من القتال رضوا بالنزول على حكَمٍ حليفٍ سابق لهم قبل الإسلام وهو سعد بن معاذ وكان من أصحاب النبي (ص)وكان حكمه عليهم بما يستحقونه فقد حكم عليهم بأن يقتل رجالهم وتقسم أموالهم وتسبى ذراريهم ونسائهم.

قال تعالى: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِم (168) وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً*وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً) (169).

3 ـ دعوة النبي (ص)للنصارى:

يصف الله عز وجل النصارى بأنهم أصحاب لينٍ في قبول الدعوة (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ*وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (170).

يذكر الله عز وجل صفات ثلاث تميز النصارى عن اليهود وهي أن فيهم علماء وأن فيهم رهبان وأنهم لا يستكبرون.

ولكن رغم ذلك تجد قصة المباهلة حيث إن حوارا دار بين النبي (ص)وبين وفد من نصارى نجران ولما لم يثمر هذا الحوار طلبوا من النبي اللجوء إلى الملاعنة أي الدعاء بأن يلعن الله الكاذبين واستجاب لهم النبي (ص)قال تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَانَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (171) .

 وخرج النبي (ص)يوم المباهلة ومعه علي بن أبي طالب(ع) وابنته فاطمة الزهراء(ع) والحسن والحسين(ع) سبطا رسول الله(ص)ولما رأى النصارى ذلك خضعوا لحكم النبي وقبلوا بدفع الجزية دون أن يباهلوه.

خلاصة الدرس

ـ لما كانت شريعة الإسلام هي الشريعة الخاتمة كانت هي أكمل الشرائع والناسخة لما سبقها.

ـ تتجلى رحمة النبي محمدا في أمور:

1 ـ أنه الذي يضع عن الأمم السابقة الأحكام التي حملت عليها.

2 ـ أنه جاء بالشريعة التي فيها مصلحة هذا الإنسان.

3 ـ أن الله عز وجل أعطاه الشفاعة لأمته.

ـ لقد كان النبي (ص)يعيش الشفقة على من لم يؤمن به ويتحسر عليه وذلك رحمة منه بهم أن يصيبهم عذاب الله.

ـ واجه اليهود دعوة النبي (ص)بتآمرهم على قتله تارة وبتآمرهم مع أعدائه ونكثهم لعهودهم أخرى.

ـ تراجع نصارى نجران عن المباهلة  وخضعوا لحكم النبي(ص).

أسئلة حول الدرس

1. ما هو المراد من قوله تعالى:(يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم)؟

2. لماذا كانت شفقة النبي (ص)على من لم يؤمن به؟

3. كيف واجه النبي (ص)تآمر اليهود عليه وعلى المسلمين؟

4. لماذا تراجع النصارى عن مباهلتهم للنبي(ص) وما هو سبب ذلك؟

للحفظ

 (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ*وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) (172).

للمطالعة

عن أمير المؤمنين(ع): ... ولقد كنت معها لما أتاه الملأ من قريش، فقالوا له: يا محمد إنك قد ادعيت عظيما لم يدعه آباؤك ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمراً إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول، وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب.فقالا: وما تسألون؟ قالوا تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك،  فقالا: إن الله على كل شيء قدير، فإن فعل الله لكم ذلك أتؤمنون وتشهدون بالحق؟ قالوا نعم، قال فإني سأريكم ما تطلبون، وإني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير، وإن فيكم من يطرح في القليب، ومن يحزب الأحزاب.ثم قالا: يا أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله.فوالدي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله(ص) مرفرفة، وألقت بغصنها الأعلى على رسول الله(ص)، وببعض أغصانها على منكبي، وكنت عن يمينها فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا ـ علواً واستكباراً ـ: فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها فأمرها بذلك، فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشده دوياً، فكادت تلتف برسول الله(ص) فقالوا ـ كفراً وعتواً ـ فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان فأمرها فرجع.فقلت أنا: لا إله إلا الله فإني أول مؤمن بك يا رسول الله، وأول من أقر بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى تصديقاً بنبوتك وإجلالاً لكلمتك.فقال القوم كلهم: بل ساحرٌ كذاب، عجيب السحر خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك إلا مثل هذا (يعنوني) وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم سيماهم سيما الصديقين، وكلامهم كلام الأبرار.عمار الليل ومنار النهار.متمسكون بحبل القرآن.يحيون سنن الله وسنن رسولهلا يستكبرون ولا يعلون، ولا يغلون ولا يفسدون.قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل.

نهج البلاغة ـ خطب الإمام علي(ع).

 






 

الدرس الثاني عشر : النبي محمد (ص) والنظام الإسلامي

لما كانت شريعة الإسلام هي الشريعة الخاتمة، كانت الشريعة الكاملة أيضاً أي التي تكفل حياة الإنسان الفردية والاجتماعية.ولذا فان الإسلام كما اشتمل على الأحكام التي تكفل بناء الحياة الفردية للإنسان بما يضمن له مصالحه اشتمل على الأحكام التي تكفل بناء المجتمع الصالح وقوام هذا وجود قائد لهذا المجتمع يقوم بضمان تطبيق هذه الأحكام هو النبي الذي أعطاه الله عز وجل الولاية على المؤمنين فقال: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم) (173).

وأمرهم بطاعته فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (174) وامتزجت شريعة الإسلام بالسياسة لأن تطبيق الجزء الرئيسي من أحكام هذه الشريعة يتوقف على وجود سياسة إسلامية تكفل عملية التطبيق هذه، وهذه السياسة تعتمد على إقامة الدولة وإداراتها من الأجهزة التنفيذية.

يقول الإمام الخميني(قده): "الإسلام دين، خلافاً للمذاهب والأديان غير التوحيدية، يتدخل في جميع الشؤون الفردية، والإجتماعية والمادية والمعنوية والثقافية والسياسية والإقتصادية والعسكرية ويشرف عليها، ولم يهمل أيَّة ملاحظة ولو كانت بسيطة لها دور في تربية الإنسان والمجتمع وتقدمهما المادي والمعنوي" (175).

تأسيس النبي(ص)للدولة:

 لم يكن تأسيس النبي لدولة الإسلام لمجرد أن الفرصة سنحت له بذلك بل لأن بناء الدولة الإسلامية كان هدفاً رئيسا النبي (ص)ولذا كان أول ما قام به النبي الأكرم(ص)عندما هاجر إلى المدينة هو تأسيس نواة الدولة الإسلامية الأولى وفي السنة الأولى للهجرة قام النبي بخطوات تمثلت بالأمور التالية:

أ ـ المعاهدة مع أهل الكتاب

 لقد كان مجتمع يثرب (المدينة) مختلفاً عن مجتمع مكة، لأن طوائف من أهل الكتاب كانت تعيش في المدينة وهم اليهود وقد قام النبي(ص)بإبرام معاهدة تعايش بين المسلمين واليهود ليأمن جانبهم ويحفظ أمن أفراد الدولة الإسلامية وينصرف لبناء الثلة الصالحة.

ب ـ التكافل الاجتماعي

 لقد كانت قصة المؤاخاة من الحوادث الخالدة في تاريخ الإسلام، فقد هاجر مع النبي(ص)طائفة من المسلمين وتركوا أموالهم وكل ما لديهم في مكة وأصبحوا غرباء في تلك المدينة فما كان من النبي(ص)إلا أن آخى بين المهاجرين والأنصار وبهذا العمل أوجد الألفة والمحبة بين المسلمين كما أوجد للمهاجرين فرصة للحياة في هذه الدولة الإسلامية بالعزة والكرامة.

ج ـ أول فرقة مقاتلة في الإسلام

في الشهر الثامن من السنة الأولى للهجرة أسس النبي(ص)أول فرقة مقاتلة وأوكل أمرها إلى بطل الإسلام حمزة بن عبد المطلب وكانت مهمة هذه الفرقة حماية دولة الإسلام وإيصال رسالة إلى قريش بأنَّ النبي أسس الدولة وان لهذه الدولة القوة على مواجهة قريش بكل ما تملكه من عظمة وتجبر، لا سيما أن طريق تجارة قريش كان يمر قرب المدينة وهذه الطريق كانت في متناول يد المسلمين.

د ـ بناء اقتصاد الدولة الإسلامية

 لقد تضمنت شريعة الإسلام نظاماً إقتصادياً منسجماً في أحكامه بالنحو الذي يلبي حاجات المجتمع الإسلامي، وهذه الأحكام على أنواع: فمنها الأحكام التحريمية والتي شملت تحريم الربا لا سيما مع إدمان المجتمع اليهودي في المدينة عليه والذي كان وسيلتهم الأساسية لسلب أموال أهل المدينة، وتحريم أموال السحت وهي الأموال التي تجمع من الحرام كالغناء والتطفيف في الكيل، ومنها الأحكام الإلزامية أي الواجبات كالزكاة التي فرضها الإسلام على أصناف محددة كانت تشكل غالب الأموال المتعارفة بين الناس، ومنها الأحكام المستحبة كالحث على الصدقة والإنفاق في سبيل الله، ومنها أموال الغنائم الحربية.

 خصوصيات دولة النبي(ص)

بناء المسجد

أول مسجد بني في الإسلام هو مسجد قبا، وهو الذي وصفه القرآن بقوله: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين) (176).

ففي هذا المسجد رجال يسعون للطهارة، والمراد منها طهارة النفوس وهي التزكية التي كانت هدف بعثة النبي(ص).

وللمسجد في دولة الإسلام الأولى دور أساسي تمثل في أمور متعددة فهو مكان اجتماع المسلمين ولقائهم ليسأل بعضهم عن بعض ويطلع المسلم على ما يجري حوله من أحداث وهو مكان التعليم فقد كان المسلمون يجتمعون فيه لتلقي أحكام دينهم وتلقي معالم الإسلام وتعلم القرآن، وكان المسجد هو محل القضاء وفصل الخصومات بين الناس من قبل النبي(ص)، وكان النبي إذا أراد أمراً ما من المسلمين كالتهيؤ للقتال ناداهم ليجتمعوا في المسجد، وقد أراد النبي الأكرم(ص)من جعل هذه المكانة للمسجد أن يعلن للناس أن دين الإسلام لا يختص بالأمور المعنوية فقط، بل يتصل بالحياة الإجتماعية ويهتم لقضايا الناس ويعمل على إصلاح أمورهم.

 الإرتباط بالغيب والحياة الآخرة

الإيمان بالمعاد واليوم الآخر هو من ضروريات دين الإسلام، وللاعتقاد بالمعاد أثره البالغ على الحياة الفردية والإجتماعية للمسلم، ويتجلى ذلك في العمل الذي يقوم به المسلم وله نماذج متعددة:

أ ـ الجهاد والشهادة

 لو أن القتال ارتبط بأهداف دنيوية محدودة فلن يوجد الدافع القوي ليقدم الإنسان عليه، ولكن تربية المسلم لما كانت على وجود عالم آخر كان الجهاد هدفاً لنيل إحدى الحسنيين، إما النصر في هذه الدنيا والحياة بعزة ، وإما الشهادة والجزاء الأخروي الذي أعده الله تعالى للشهداء.

ب ـ الإنفاق في سبيل الله وعمل الخير

 يرتبط الإنفاق وعمل الخير بالآخرة لأن من يقدم على الإنفاق في سبيل الله ويعتقد باليوم الآخر فانه سوف يرى لعمله ثمرة في الآخرة وسوف يبدله الله خيراً منه في يوم الجزاء، وهذا الإرتباط بالغيب في كل عمل خير يقوم به الإنسان دون أن ينتظر جزاء في هذه الدنيا يخلق في نفس المسلم شعوراً نحو أخيه المسلم مما يعزز دور التكافل الإجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد، ومما يربط الإنسان بالآخرة عوضاً عن ربطه بالمصالح المادية الضيقة.

(مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم) (177).

ج ـ الصبر على الأذى وتحمل الشدائد

لقد تحمل المسلمون الأوائل أشد أنواع العذاب من قريش وتحملوا الشدائد من الهجرة والفقر والجهاد وكل ذلك لأنهم ارتبطوا بالله عز وجل في كل ذلك، وعلموا أن في الصبر على ذلك كله جزاءاً لا يضيع عند الله تعالى.

د ـ الصمود والثبات

(الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ*فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (178).

الإيمان بالغيب عنصر ثبات لدى الإنسان فالإنسان المؤمن هو من لا يخاف من الشدائد ولا يتأثر بالتخويف والحرب النفسية التي قد يقوم بها أعداء المسلمين لتثبيط العزائم، لأنه يعلم أن كل ما في الكون بيد الله تعالى ولا يجري في الكون أمر إلا بأمره وإرادته، وأن الإيمان والإخلاص لله تعالى من شأنه أن يقلب كل الحسابات الدنيوية، حيث تتدخل اليد الغيبية لنصرة الدين وأوليائه.

خلاصة الدرس

ـ تشكل السياسة عنصراً ضرورياً في النظام الإسلامي لأن مجموعة من أحكام الشريعة لا يمكن تطبيقها إلا في ظل وجود دولة إسلامية.

ـ لقد كان تأسيس الدولة من أهداف النبي(ص)أول الهجرة.وتضمن بناؤه للدولة القيام بالمعاهدات مع الطوائف الأخرى والقبائل وتأسيس فرق مقاتلة للدفاع عن المسلمين وإرهاب أعدائهم وفرض ضريبة الزكاة لسد حاجة الفقراء.

 جعل النبي (ص) من المسجد منطلق الدولة ومحل تجمع المسلمين لتلقي التربية الإسلامية والتعليم الإلهي.

ـ الارتباط بالغيب عبر الإيمان باليوم الآخر له أثره على حياة المسلم الفردية والإجتماعية كالجهاد والإنفاق في سبيل الله والصمود والثبات.

أسئلة حول الدرس

1. هل يمكن إحياء شريعة الإسلام دون وجود عمل سياسي ودون إقامة الدولة؟ كيف تشرح ذلك؟

2. ما هي الخطوة التي قام بها النبي(ص)لتوحيد قلوب المسلمين؟

3. لماذا أسس النبي(ص)الفرقة المقاتلة الأولى وبقيادة من كانت؟

4. إشرح بعض آثار الإيمان بالغيب في حياة المسلمين؟

 للحفظ

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا*وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) (179).

للمطالعة

عن أمير المؤمنين(ع) في بيان صفات النبي(ص): لهم داحي المدحوات (180) .وداعم المسموكات  (181) .وجابل القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها.اجعل شرائف (182) صلواتك ونوامي بركاتك (183) على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق.والفاتح لما انغلق.والمعلن الحق بالحق والدافع جيشات (184) الأباطيل.والدامغ صولات الأضاليل (185) .كما حمل فاضطلع (186) قائماً بأمرك مستوفزاً (187) في مرضاتك غير ناكل (188) عن قدم.ولا واه في عزم (189) .واعياً لوحيك حافظاً لعهدك.ماضيا على نفاذ أمرك.حتى أورى قبس القابس (190) وأضاء الطريق للخابط (191) وهديت به القلوب بعد خوضات الفتن.وأقام موضحات الأعلام ونيرات الأحكام.فهو أمينك المأمون وخازن علمك المخزون.وشهيدك يوم الدين وبعيثك بالحق.ورسولك إلى الخلق.أللهم افسح له مفسحاً في ظلك واجزه مضاعفات الخير من فضلك.أللهم أعل على بناء البانين بناءه وأكرم لديك منزلته، وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة ومرضي المقالة (192) ذا منطق عدل، وخطة فصل، أللهم اجمع بيننا وبينه في برد العيش وقرار النعمة، ومنى الشهوات.وأهواء اللذات ورخاء الدعة.ومنتهى الطمأنينة.وتحف الكرامة.

نهج البلاغة الخطبة 72.

 





هامش

(1)  سورة آل عمران، الآية : 84- 85

(2)   سورة الحديد ، الآية :25

(3)   سورة الملك، الآية : 14

(4)   سورة الحج، الآية : 64

(5)   سورة البقرة، الآية 151

(6)   سورة آل عمران، الآية :164

(7)   سورة غافر، الآية : 259

(8)   سورة البقرة، الآية :164

(9)   سورة يس، الآية : 14

(10)  الخصال، الشيخ الصدوق، ص : 524

(11)   الخصال، الشيخ الصدوق، ص :641

(12)   الاعتقادات في دين الإمامية، الشيخ الصدوق، ص : 92

(13)   سورة النساء، الآية : 150

(14)   الميزان في تفسير القران، الطباطبائي، ج  ، ص : 295

(15) سورة البقرة، الآية : 136

(16)  سورة البقرة، الآية : 253

(17)  سورة الإسراء، الآية: 55

(18) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج2 ، ص : 234

(19)  تفسير الميزان، السيد الطباطبائي، ج 13، ص213 ، نقلا عن كتاب الكافي  

(20)   الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج1 ، ص 292

(21)   ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 4، ص 3016

(22)   ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج4 ، ص 3018- 3019

(23)   سورة البقرة، الآية : 124

(24)   ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج4 ، ص 3017 

(25)   سورة آل عمران، الآية 81-83.

(26)   سورة الاحقاف، الآية : 35

(27)   سورة الأحزاب، الآية : 7

(28)   الكافي، الشيخ الكليني، ج2 ، ص  17ـ 18

(29)   بحار الانوار المجلسي، ج11 ، ص33

(30)   تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي، ج2 ، ص 300

(31)   الكافي، الشيخ الكليني، ج1 ، ص 416

(32)   الكافي، الشيخ الكيليني، ج2، ص 8

(33)   الخصال، الشيخ الصدوق، ص 300

(34)  سورة الشورى، الآية :13

(35)   سورة الأحزاب، الآية :7

(36)   نهج البلاغة، خطب الإمام علي (ع)، ج2 ، ص 144

(37)  ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج4 ، ص 3019

(38)   ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج4 ، ص 3021

(39)   ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج4 ، ص 3020

(40)   ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 1، ص 232

(41)  بصائر الدرجات، ص 248

(42)   سورة الأحقاف، الآية : 35 

(43)   سورة الصافات، الآية : 77

(44)   سورة الصافات، الآية: 78

(45)   سورة الصافات، الآية: 79 

(46)   تفسير الميزان ، السيد الطباطبائي، ج10، ص 276

(47)   سورة هود، الآية: 23.

(48)   سورة هود، الآية: 27

(49)   سورة هود، الآية: 28

(50)   الأربعون حديثاً، ص 86

(51)  سورة هود، الآية: 27

(52)  سورة هود، الآية: 31

(53)   الأربعون حديثاً، الإمام الخميني (قده) ، الحديث الرابع،  الكبر

(54)   الأربعون حديثاً، الإمام الخميني (قده) ، الحديث الرابع،  الكبر

(55)   المصدر السابق

(56)    سورة ص، الآية:76

(57)   نهج البلاغة، الخطبة 192

(58)   المصدر السابق 

(59)   سورة الكهف، الآيات:32  ـ  37

(60)   سورة العنكبوت، الآية : 14

(61)   سورة نوح، الآيات:5 ـ 9

(62)   سورة الأعراف، الآيات:60  ـ 61

(63)   سورة المؤمنون، الآية:25

(64)   سورة الشعراء، الآية:116

(65)   سورة نوح، الآيات :26 ـ 28

(66)   سورة هود، الآية:37

(67)   سورة هود، الآيتان:38  ـ 39

(68)   سورة هود، الآية:40

(69)   سورة التحريم، الآية :10

(70)   سورة هود، الآية:43

(71)   سورة هود، الآية:45

(72)   سورة هود، الآية:46

(73)   سورة هود، الآية:47

(74)   سورة الإسراء، الآية:3

(75)   الأربعون حديثاً، الإمام الخميني، ص 318

(76)   سورة نوح، الآيات :21 ـ  28

(77)   سورة الأنبياء، الآية: 51

(78)   سورة البقرة، الآيتان :130  ـ131

(79)   سورة الأنعام، الآية:75

(80)   سورة النساء، الآية:125

(81)   سورة هود، الآية:75

(82) سورة البقرة، الآية: 124

(83)   سورة الحديد، الآية:27

(84)   سورة الأنعام،الآيات:75   ـ 79

(85)   سورة البقرة، الآية:258

(86)   سورة البقرة، الآية:258

(87)    سورة الأنبياء، الآيات:52   ـ 56

(88)    سورة الشعراء، الآيات:69-82

(89)    سورة مريم، الآيات:41- 47

(90)   سورة الصافات، الآيات: 91-96

(91)   سورة البقرة، الآية :258 

(92)   سورة الصافات، الآيات: 99-101   

(93)   سورة هود، الآيات : 71-73

(94)   سورة الذاريات، الآيتان :29-30

(95)    بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج9، ص367

(96)   سورة الصافات، الآية: 102

(97)   سورة الصافات، الآية :103

(98)   سورة الصافات، الآيات : 104-111

(99)   سورة الأنعام، الآيات :75-79

(100)   سورة القصص، الآية:14

(101)   سورة القصص، الآيتان:15-16

(102)   سورة القصص، الآية:17

(103)   عيون أخبار الرضا (ع)، الشيخ الصدوق، ج2، ص 176 -177

(104)   سورة القصص، الآية:4

(105)   سورة النازعات، الآيات :43-47

(106)   سورة الاعراف، الآيتان:106-107

(107)    سورة الشعراء، الآيات : 27-34

(108)   سورة طه، الآيتان :58-59

(109)   سورة طه، الآية:60

(110)   سورة طه، الآية:64

(111)   سورة طه، الآية:61

(112)    سورة طه، الآية:63

(113)    سورة الأعراف، الآية :116

(114)   سورة طه، الآيتان :68-69

(115)    سورة طه، الآية:70

(116)   سورة الأعراف، الآية:124 

(117)   سورة القصص، الآيات: 79-83

(118)   سورة الأحزاب، الآية:69 

(119)  سورة الأعراف، الآية :138

(120)   سورة الاعراف، الآيتان  :138-141

(121)     سورة الأعراف، الآية: 57

(122)   سورة البقرة، الآية:61

(123)   سورة البقرة، الآية: 61

(124)   سورة المائدة، الآيات: 21-26

(125)   وسائل الشيعة   آل البيت ، الحر العاملي، ج 15 ، ص 14

(126)    سورة طه، الآيتان:87-88

(127)   سورة طه، الآية:89

(128)    سورة طه، الآية: 97

(129)   سورة العنكبوت، الآيتان: 2-3

(130)   سورة المائدة، الآيات: 21-26 

(131)   سورة آل عمران، الآيتان:45-46    

(132)   سورة آل عمران، الآية: 47

(133)   سورة مريم، الآيات: 23-26

(134)   سورة مريم، الآيات:29-33

(135)   تفسير نور الثقلين، الشيخ الحويزي، ج 1 ، ص 339

(136)   سورة آل عمران، الآية:49

(137)   سورة النساء، الآية:156

(138)   سورة النساء، الآيتان:156-157

(139)   سورة آل عمران، الآية:55  

(140)     تفسير نور الثقلين، الشيخ الحويزي، ج1، ص 569

(141)   سورة مريم، الآيات:27-33

(142)   سورة التوبة، الآية: 30

(143)   سورة المائدة، الآية: 17

(144)    سورة المائدة، الآية: 73

(145)   سورة النساء، الآية: 171

(146)   سورة آل عمران، الآية:59

(147)   سورة آل عمران، الآيتان: 49   ـ 50

(148)   سورة المائدة، الآيتان: 116   ـ 117

(149)   سورة النساء، الآية: 172

(150)   سورة المائدة، الآية:17

(151)   سورة المائدة، الآية: 75

(152)   سورة المائدة، الآية:76

(153)    سورة يونس، الآية: 116

(154)   سورة النساء، الآية:171

(155)   سورة المؤمنون، الآية:91

(156)    سورة الأنبياء، الآيتان:   21-22  

(157)   سورة آل عمران، الآيتان: 49-50

(158)   سورة الأنبياء، الآية: 107

(159) سورة الأحزاب، الآية: 40 

(160)   سورة الأعراف، الآية: 157

(161)    الكافي، الشيخ الكليني، ج5  ، ص  494

(162)   سورة الأعراف، الآية: 157

(163)   سورة الأنفال، الآية:  33

(164)   سورة فاطر، الآية: 8

(165)   سورة التوبة، الآية: 128

(166)    سورة المائدة، الآية: 82

(167)   سورة الحشر، الآيات: 2-4

(168)   الصياصي هي القلاع المحكمة

(169)   سورة الأحزاب، الآيتان: 26-27

(170)   سورة المائدة، الآيتان: 82-83

(171)   سورة آل عمران، الآية: 61

(172)   سورة آل عمران، الآيتان: 144-145 

(173)   سورة الأحزاب، الآية: 6

(174)   سورة النساء، الآية: 59

(175)   كتاب البيع، الإمام الخميني، ج 2 ، ص472 

(176)    سورة التوبة، الآية:108 

(177)    سورة البقرة، الآية: 261

(178)   سورة آل عمران، الآيتان: 173-174

(179)   سورة النساء، الآيات: 59-61

(180)   باسط الارضين

(181)   ممسك السماوات

(182)   جمع شريفة

(183) زوائد

(184)   جمع جيشة من جاشت القدر إذا ارتفع غليانها

(185) من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ

(186)   نهض بالأمر

(187)  مسرعا

(188)   متأخر

(189)   ضعيف

(190)   القبس الشعلة من النار والقابس من يطلب النار كناية عمن يبحث عن الهداية

(191)  الذي يسير ليلا ولا يعرف الطريق

(192)   الكلام والحجة.